بـسـم الله الـرحـمـن الـرحـيـم
الـحـمـد لله رب الـعـالـمـيـن و الـصـلاة و الـسـلام عـلـى أشـرف الأنـبـيـاء و الـمـرسـلـيـن
ســـيـدنـا و مـولانـا حـبـيـبـنـا و قـرة أعـيـنـنـا مـحـمـد و عـلـى آلــه و صـحـبـه أجـمـعـيـن
أنـقـل لـكـم مـن " منتدى رباط الفقراء "
سـلـسـلـة الـتـاريـخ الإسـلامـي ( 1 )
ســـيـرة ســـيـدنـا مـحـمـد رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم
إعـداد واصـف أحـمـد فـاضـل كـابـلـي
* * *
* *
*
بـسـم الله الـرحـمـن الـرحـيـم
الـحـمـد لله رب الـعـالـمـيـن و الـصـلاة و الـسـلام عـلـى أشـرف الأنـبـيـاء و الـمـرسـلـيـن
ســـيـدنـا و مـولانـا حـبـيـبـنـا و قـرة أعـيـنـنـا مـحـمـد و عـلـى آلــه و صـحـبـه أجـمـعـيـن
((( 1 )))
بسم الله الرحمن الرحيم
الحـمـد لله الكـريـم المـنـّان ، شــرَف العـوالـمَ و الأكـوان ، بـمـولـدِ ســيـد الإنـس و الجـان ، ســيـدِنـا و مـولانـا مـحـمـدٍ الحَـنـَانِ الأمَـان ، خـيـر الخـلائـقِ أجـمـعـيـن ، المـبـعـوث رحـمـة لـلعـالـمـيـن المـنـوط بـه الشــفـاعـةَ العـظـمـى يـوم الـديـن ، خـاتـمِ النـبـيـيـن ، خـطـيـبِ المـرســلـيـن ، حـرزِ الأمـيـيـن ، ركـنِ المـتـواضـعـيـن .
الـلـهـم فـصـلـواتـُـك الـزاكـيـات ، و تـحـيـاتـُـك الحـســنـى المـبـاركـات ، عـلـى هـذا الـنـبـي الأمـي ، و آلـهِ الطـيـبـيـن ، و أصـحـابـه الـغـُـرِّ المـيـامـيـن ، صـلاةً و تـحـيـةً تـامـتـيـن كـامـلـتـيـن دائـمـتـيـن ، امـتـثـالاً لأمـرِ الله ، و أداءً لـحـقِّ رســولِ الله ، و رجـاءً فـي حـصـولِ مـضـاعـفـاتـِها عـنـد الله .
و فـي الحـديـث (( مـن صـلـى عـلـيَّ واحـدةً صـلـى الله عـلـيـه بـهـا عـشــراً ))
الصـلاةُ و الســلام عـلـيـك يـا ســــيـدي يـا أبــا الـقــاســــم يـا رســـولَ الله.
الصـلاةُ و الســلام عـلـيـك أيـــــــهـــا الــــفــــــــاتـــــحُ الـــخـــــــاتـــــــم.
الصـلاةُ و الســلام عـلـيـك أيـــــــهـــا الــــقــــــــانــــتُ الــــقـــــــائــــــــم.
الصـلاةُ و الســلام عـلـيـك يـا نــــبــــــيَّ الــمــــراحــــم و الــمـــــلاحــــم.
الصـلاةُ و الســلام عـلـيـك عـــــــــبــــــــدَ الله و عـــــــصـــــــمـــــــةَ الله.
الصـلاةُ و الســلام عـلـيـك يـا فـضـلَ الله و يـا نـعــمـة الله و يـا رحـمـة الله.
الصـلاةُ و الســلام عـلـيـك يـا حــبــيــبَ الله و خــلــيـــلَ الله و نــجـــيَّ الله.
الصـلاةُ و الســلام عـلـيـك يـا صـــــــــاحـــــــــــب لا إلــــــــــــــه إلا الله.
ســبـحـان مـن أعـزَّك فـجـعـلـك ســيـدَ الســادات ، و فـخـرَ الكـائـنـات ، و ســمـا بـك إلـى أعـلـى الـدرجـات ، و رقـا بـك إلـى ذِروة المـقـامـات ، فـكـنـتَ يـا قــرةَ أعـيـنِ المـوحـديـن ، الأرفـعَ عـنـد مـولاك ســبـحـانـه مـنـزلـةً ، و الأوفـرَ عـنـده كـرامَـةً ، و الأكـثـرَ لـدـيه قــُرْبـاً ، و الأعـظـمَ عـنـد مـن أدنـاك إلـيـه مـقـامـاً ..
فـإن يـكـنِ الله – يـا ســيـدي – قـد أعـطـى أبـاك ســيـدنـا آدم عـلـيـه الســلامُ الصـفـوةَ ، و أعـطـى أبـاك ســيـدنـا إبـراهـيـمَ عـلـيـه الســلامُ الخـلـةَ ، و أعـطـى أخـاك ســيـدنـا مـوســى عـلـيـه الســلامُ تـســع آيـاتٍ بـيـنـاتٍ ، و أعـطـى آخِــرَ المـبـشـِّـريـن بـك مـن الأنـبـيـاءِ و المـرســلـيـنَ ســيـدنـا عـيـســى عـلـيـه الســلامُ إحـيـاءَ المـوتـى ، فـإنـه جـل ذكـره اتـخـذك حـبـيـبـاً ، و آتـاك الخـلـة ، و خـصـك بـأجـمـلِ الخـصـال ، و جـمَّـلـك فـي أحـســنِ الصـور ، و أولاك بـأروع الخـصـائـص ، و جـمـعَ فـيـك مـا ذرأه فـي المـصـطـفـيـنَ مـن أكـرم الخـلائـق ، ثـم قـالَ لـك : (( فـإنـك بـأعـيُـنِـنـَا )) و قـالَ لـك (( و لـســوف يـعـطـيـك ربـك فـتـرضـى )) .
((( 2 )))
قـال الله تـعـالـى : (( و أنـزل الله عـلـيـك الـكـتـاب و الـحـكـمـة و عَـلـَّمـكَ مـا لـم تـكـن تـعـلـمْ و كـان فـَضْـلُ اللهِ عـلـيـكَ عـظـيـمـا )) لـقـد فـضَّـلَ اللهُ عـلـى هـذا الـنـبـي الـكـريـم فـخـتـمَ بـبـعـثـتِـهِ الـرســالاتِ. و شــمـل بـهـا أهـلَ الأَرضِ و الـســمـوات , و آتـاهُ جـوامـعَ الـكـَلِـمِ و الـحُـكـْمَ و الـحِـكـْمـة , و أحَـلَّ لـه الـفـيْءَ و الـمـغـنـم و جـعـل الأرضَ لـه مـســجـداً و طـهُـوراً , و مَــنَّ عـلـيـه بـشــرحِ الـصـدر , و وضـع الـوزرِ , و رفـعِ الـذكـرِ , و عـزَّةِ الـنـصـرِ , و نـزولِ الـســكـيـنـةِ , و تـأيـيـدِ الـمـلائـكـة , و الـعـصـمـة مـن الـنـاس , و الـنـصـرِ بـالـرعـب , و خـصَّـه بـدوامِ صـلاتِـه و مـلائـكـتِـه عـلـيـه , و تـزكـيـةِ أمـتِـه الـمـرحـومـةِ بـه , و جـعـلِـهـا وســطـا , و فـضَّـلـهَـا عـلـى ســائـرِ الأمـم , و وضـعَ الإصـرَ و الأغـلالَ عـنـهـا , (( و كـذلـك جـعـلـنـاكـم أمـةً وســطـا لـتـكـونـوا شــهـداءَ عـلـى الـنـاس و يـكـونَ الـرســول عـلـيـكـم شــهـيـدا )) و مـيَّـزه بـالـمـعـراج لـيـلـَةَ الإســراءِ , و بـإمـامـةِ الأنـبـيـاءِ, و الـســيـادةِ عـلـى أهـلِ الأرضِ و الـســمـاءِ , و بـالـمـقـامِ و الـمـنـبـرِ و الـلـواءِ , و الـشــفـاعـةِ الـعـظـمـى , و الـحـوضِ و الـكـوثـر , و الـوســيـلـةِ و الـفـضـيـلـةِ , و الـدرجـةِ الـرفـيـعـةِ , و مـازال يـتـرقــَّى بـه حـتـى أَسْــمَـعَـه صَـرِيـفَ الأقـلامِ , و بـيـنـمـا هـو نـائـم رأى أنـه أُتِـي بـمـفـاتـيـحِ خـزائـنِ الأرضِ فـَوُضِـعَـتْ فـي يَـديـه , و أدنـاه حـتى أســمـعَـه لـذيـذَ الـمـنـاجـاةِ (( ثـم دنـا فـتـدلـىَّ , فـكـان قـاب قـوســيـن أو أدنـى )) و بـعـدمـا أعـطـاه كـلَّ سُـــؤلٍ ؛ أعـطـاه مـن الـعَـجَـائِـبِ مـا لا تـُـدرِكـْـه الـعُـقــُولُ . و بـعـدمـا أطـْـلـَعَـهُ عـلـى الـعَـوَالِـمِ و رأى آيـاتِـهـا ؛ جـالَ بـه فـي مَـنـَازِلِ الـكـَرَامـةِ و ريـاضِ الـســعـادة , فـصـادف الـحـســنـى و زِيـادة .. و هـنـاك رُفِـعَـتِ الـحُـجُـبْ و أظـهـرَ لـه مـن عـلـومِ الـغـيـبِ مـا لـه ارتـضـاه ..
قـال عـمـر رضـي الله عـنـه : ( قـام فـيـنـا رســولُ الله صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم مَـقـامـاً , فـأخـبـرنـا عـن بــدء الـخـلـق حـتـى دخـلَ أهـلُ الـجـنـةِ الـجـنـةَ , و أهـل الـنـار الـنـار , حـفـظـه مـن حـفـظـه و نـســيـه مـن نـســيـه ) رواه الـبـخـاري .
و فـي الـحـديـث الـذي رواه الـتـرمـذي و أحـمـد و غـيـرهـمـا أنـه صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم قال : ( إنـي قـمـت مـن الـلـيـل فـصـلـَّيـتُ مـا قـُـدِّر لـي , فـَـنـَعِـسْــتُ فـي صـلاتـي حـتـى اســتـثـقـلـتُ فـإذا أنـا بـربـي عـزَّ و جـلَّ فـقـال لـي : يـا مـحـمـد فـيـم يـخـتـصـمُ الـمـلأُ الأعـلـى؟ قـلـت : لا أدري ... ) و فـيـه أن الله تـعـالـى أفـاض عـلـى الـنـبـي صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم الـعـلـومَ حـتـى قـال : ( فـتـجـلـَّى لـي كـلُّ شــيءِ ) , و فـي روايـة : فـعـلـمـت مـا فـي الـســمـوات و مـا فـي الأرض )
و فـي الـطـبـرانـي عـن ابـن عـمـر رضـي الله عـنـهـمـا قـال: قـال رســول الله صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم : ( إن الله قـد رفـعَ لـي الـدنـيـا , فـأنـا أنـظـر إلـيـهـا و إلـى مـا هـو كـائـن فـيـهـا إلـى يـوم الـقـيـامـةِ كـأنـمـا أنـظـر إلـى كـَـفــِّـيْ هـذه ) و شــاهِـدُه فـي صـحـيـح مـســلـم و فـي مـســنـد الإمـام أحـمـد : ( إن الله زوى لـيَ الأرضَ فـرأيـتُ مـشــارقـهـا و مـغـاربـهـا ) و فـي الـقــرآنِ الـكـريـم (( و عـلـَّـمـك مـا لـم تـكـن تـعـلـم )).
وكـمـا فـضَّـلَ اللهُ عـزَّ و جـلَّ الـمـصـطـفـى صـلـى الله عـلـيـه وســلـم فـي الـبـدْء بـِجـعْـلِـهِ أولَ الأنـبـيـاءِ خـَـلـْـقــاً , وأولـهـِم فـي الإجـابـةِ فـي عـالـمِ الـذرِ , جَـعَـلـَهُ فـي الـعَـوْد وأولَ مـن تـنـشــقُّ عـنـه الأرض , و أولَ شــافـع و أولَ مـشــفــَّعٍ , أولَ مـن يُـؤذنُ لـه بـالـســجـود , و أولَ مـن يـنـظـرُ إلـى ربِ الـعـالـمـيـن , و أولَ الأنـبـيـاءِ يُـقــْـضـى بـيـن أمـتِـهِ , وأولـهـم إجـازةً عـلـى الـصـراط بـأمـتـه , و أولَ داخـلٍ إلـى الـجـنـة ,
و أمـتـه أولُ الأمـم دخـولاً إلـيـهـا . و فـي حـديـث أبـي هـريـرة رضـي الله عـنـه : ( أنـا أولُ مـن تـنـشــقُ عـنـه الأرضُ فـأكـســى حـلـةً
مـن حـلـلِ الـجـنـة , ثـم أقـومُ عـن يـمـيـنِ الـعـرش لـيـس أحــدٌ مـن الـخـلائـقِ يـقـومُ ذلـك الـمـقـام غـيـري ) رواه الـتـرمـذي .
يـقـول
الـحـبـيـبُ الـمـصـطـفـى صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم : ( أنـا حـبـيـبُ الله و لا فـخـر , و أنـا حـامـلُ لـواءِ الـحـمـدِ يـوم الـقـيـامـةِ
تـحـتـه آدمُ فـمـن دونـهُ و لا فـخـر , و أنـا أول شــافـع , و أنـا أولُ مُـشــفـعٍ يـوم الـقـيـامـة و لا فـخـر , و أنـا أكـرم الأولـيـن والآخـريـن و لا فـخـر) .
و روى أنـسٌ رضـي الله عـنـه قـولَ
الـشــفـيـعِ صـلـوات الله و ســلامـه عـلـيـه " " أنـا أولُ الـنـاس خـروجـاً إذا بُـعِـثــُوا , و أنـا قـائـدُهـم إذا وَفــدوا , و أنـا خـطـيـبـهـم إذا أنـصـتــُوا , و أنـا شــفـيـعُـهـم إذا حُـبـِســوا , وأنـا مُـبـشـِّـرُهـم إذا أيــِســوا , الـكـرامـةُ و الـمـفـاتـيـحُ يـومـئـذ بـيـدي , و لـواءُ الـحـمـدِ يـومـئـذ بـيـدي , و أنـا أكـرمُ ولـدِ آدمَ عـلـى ربـي ." رواه الـدارمـي .
و روى مـســلـم عـن
أنـس رضـي الله عـنـه قـال : قـال رســول الله صـلـى الله عـلـيـه وســلـم ( آتـي بـاب الـجـنـة فـأســتـفـتـحُ فـيـقـول الـخـازن : مـن
أنـت؟ فـأقـول ُ: مـحـمـدٌ , فـيـقـولُ بـك أمـرتُ ألا أفـتـحَ لأحــدٍ قـبـلـك .. ) و زاد الـطـبـرانـي : ( فـيـقـوم الـخـازنُ و يـقـول : لا أقـومُ لأحــدٍ بـعـدك ) .
وَ حَـسْــبُ رســولِ الله صـلـى الله
عـلـيـه و ســلـم فـخـامـةً و قـدراً و شــرفـاً و ذكـراً ؛ مـا حـواه كـتـابُ ربِّـنـا فـي كـلِّ ســورةٍ مـن ســوره , و مـا ورد فـيـه مَـورِدَ الـمـلاطـفـةِ و الـمـبـرَّة , و مـورد الـتـجـلـةِ و الإكـرام , و قــَسَــمُ الله تـعـالـى بـه , و قــسَــمُـه بـعـظـيـم قـَـدْرِه وذاتـه و صـفـاتـه و بـلـدِه و مـضـافـاته مـمـا هـو مـذكـور فـي كـثـيـر مـن آيـات الـقـرآن الـكـريـم . و حـفـظ الـلـه بـمـولـده الـسـمـاء كـرامـة لـه و لأمـتـه فـنـعـت الـشـيـاطـيـنُ الـمـسـتـرقـون لـلـسـمـع وقـذفـت بـالـشـهـب الـراصـدة بـعـد أن كـانـوا يـقـعـدون مـقـاعـد مـنـهـا لـلـسـمـع .
ضـاءت لـمـولـده الآفـاقُ و اتـصـلـت = بـشـرى الـهـواتـف فـي الإشـراق و الـطـَـفـَـلِ
وصَـرْحُ كـسـرى تـداعـى مـن قـواعـده = و انـقـضـى مـنـكـسـرَ الأرجـاءِ ذا مِـيَـلِ
و نـارُ فـارسَ لـم تـوقـدَ و مـا خـمـدت = مـن ألـفِ عـام و نـهـر الـقـوم لـم يَـسِـلِ
خـرَّت لـمـبـعَـثِـهِ الأوثـان و انـبـعـثـت = ثـواقـبُ الـشـُّــهـْـبِ تـَـرْمـي الـجـِـنَّ بالـشـُّـعَـلِ
و فـي – الـفـتـح – أنـه صـلـى الـلـه عـلـيـه و سـلـم أولَ مـا تـكـلـَّـم بـه فـي أوائـل مـا وُلـد : ( الـلـه أكـبـر كـبـيـرا ، والـحـمـد لـلـه كـثـيـرا ، و سـبـحـان الـلـه بـكـرة و أصـيـلا ) ، وقـيـل : أول مـا خـرج مـن بـطـن أمـه قـال : ( لا إله إلا الـلـه ، و أنـي رسـول الـلـه ) ، و قـيـل : كـان أولُ مـا تـكـلـم بـه لـمَّـا وُلِـد : (جـلال ربـي الـرفـيـع ) . و لـعـلـه تـكـلـَّـم بـذلـك جـمـيـعـاً جـمـعـاً لـلأقـوال و ذكـر ابـن سَـبُـع فـي الـخـصـائـص أن مـهـده كـان يـتـحـرك بـتـحـريـك الـمـلائـكـة . قـال الـحـاكـم فـي الـمـسـتـدرك : تـواتـرت الأحـاديـث أنـه ولـد مخـتـونـاً } .
و شـب صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم شـبـابـاً لا يُـشـْـبـِـه شـَـبَـابَ الـغـلـمـان ، فـكـان يَـشـِــبُّ فـي الـيـومِ شـــبـاب الـصـبـيِّ فـي شـهـر مـن
الـزمـان .
عـطـروا الـمـجـالـس بـطـيـب ذِكـْـرهِ تـفـخـيـمـا . و تـبـركـوا بـاسـمـه تـعـظـيـمـا ، و صـلـوا عـلـيـه و سـلـمـوا تـسـلـيـمـا . الـلـهـم صـل و سـلم و بـارك عـلـيـه و عـلـى آلـه وأصـحـابـه صـلاة و سـلامـاً نـتـخـلـص بـهـمـا مـن مِـحَـن الـدنـيـا ، وكـُـرَبِ الـمـوت ، و هـول الـقـبـر و شـدة يـوم الـحـسـاب .
((( 5 )))
آيات مـولـده صلى الله عليه وسلم
و لـمـا أرادَ الله تـعـالـى إنـقـاذَ الـبـشـريـةِ مـن ظـلـمـات الـشـركِ و الـشكِّ و الـهـمـجـيـة . و أن يـنـشـرَ فـي الأكـوانِ أنـوار حـقـيـقـتـهِ الـمـحـمـديـة . قـدَّمٍ لـظـهـورِ حَـمْـلِـهِ صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم بـخـوارقَ و إرهـَـاصَـاتٍ ، تـوطـئـةً لـنـبـوتِـهِ الـخـاتـمـةِ ، و إعـلامـاً بـعـظـيـم قـدره ، و إيـذانـاً بـشـريـفِ مـنـزلـتِـه عـنـد الله ، فـاخـضـرَّتِ الأرضُ الـمـجـدبـةُ ، و حـمـلـتِ الأشـجـارُ ، و نـطـقـتِ الـدواب ، و أتـى قـريـشـاً الـرفـدُ مـن كـلِ جـانـب.
قـالـت أمُّـهُ آمـنـةُ بـنـتُ وهـبٍ : مـا شـعـرتُ أنـي حـمـلـتُ و لا وجـدتُ لـه ثِـقـَـلاً و لا وَجَـعـاً كـَـمـا تـجـدُ الـنـسـاءُ ، إلا أنـهـا أنـكـرت رفـعَ عـادتـهـا [ أي الـشـهـريـة ] . و فـي حـديـثِ الـعِـربـاضِ بـنِ سـاريـةَ رضـي الله عنـه : { إنـي عـنـد الله خـاتـَـم الـنـبـيـيـن ، و إن آدم لـمـنـجـدِلٌ فـي طـيـنـتِـه ، و سـأخـبـرُكـم عـن ذلـك : إنـي دعـوة أبـي إبـراهـيـم ، و بـشـارةُ عـيـسـى ، و رؤيـا أمّـي الـتـي رأت ، و كـذلـك أمـهـاتُ الـمـؤمـنـيـن يَـريـن }.
و إن أمَّ رسـولِ الله صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم رأت حـيـن وضـعـتْه نـوراً أضـاءتْ لـه قـصـورُ الـشـام . و فـي حـديـث ابـنِ إسـحـاقَ : إن آمـنـةَ كـانـت تـُـحـدّثُ أنـهـا أُتِـيَـتْ حـيـن حـمـلـتْ بـه صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم فـقـيـل لـهـا : إنـك حـمـلـتِ بـسـيـد هـذه الأمـة . . و قـيـل لـهـا : فـإذا ولـدتـه فـسـمّـيـه مـحـمـداً و اكـتـُـمِـي شـأنـَـكِ.
كـمـا ظـهـَـر لـيـلـةَ مـولـدِه صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم عـجـائـبُ و آيـاتٌ ، ( مـنـهـا ) : ارتـجـاجُ إيـوانِ كـسـرى و انـشـقـاقـُـهُ و سـقـوطُ أربـعَ عـشـرةَ شـرفـةً مـن شـرفـاتِـه ، و ( مـنـهـا ) خـُـمُـودُ نـارِ فـارسَ ، و كـان لـهـا ألـفُ عـام لـم تـخـمَـد ، و( مـنـهـا ) جَـفـَـافُ بـحـيـرةِ سـاوةَ بـيـن الـريِّ و هـمـدانَ ، و كـانـت تـسـيـرُ فـيـهـا الـسُـفـُـنُ ، و ( مـنـهـا ) زيـادةُ حـراسـةِ الـسـمـاءِ بـالـشـهـبِ ، و رُمِـيَـتِ الـشـيـاطـيـنُ الـمـسـتـرِقـُـون لـلـسـمـعِ.
و لـمـا آنَ أوانُ انـبـلاجِ فـجـره ، و حَـلـَّـتْ سـاعـةُ ظـهـورِ نـورِهِ صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم ؛ أخـذَ آمـنـةَ والـدة الـمـصـطـفـى مـا يـأخـذُ سـائـرَ الـنـسـاءِ مـن الـمـخـاض ، فـولـدت سـيـدَ الأكـوانِ نـوراً يـتـلألأُ سَـنـاهُ ، سَـوِيَّ الـخـلـقِ نـظـيـفـاً مـخـتـونـاً مـقـطـوع الـسُـرَّةِ ، مُـشـيـراً بـسـبـابَـتِـهِ كـالـمـسـبِّـح رافـعـاً رأسـه إلـى الـسـمـاءِ . . و ذلـك بـالـمـحـلِ الأنـوار الـمـعـروف مـن شِـعْب عـلـي بـسـوقِ الـلـيـل بـالـرحـابِ الـحـرمـيـة.
و لـم تـلـبـِـثُ الـبُـشـرَيـاتُ أَنِ انـتـشـرتْ بـأنـه قـد وُلِـدَ الـلـيـلـةَ الـنـبـيُّ الـمـخـتـارُ ، نـبـيُّ أخـرِ الـزمـانِ ، الـذي يـنـسـخُ ديـنـُـه الأديـانَ ، و عـمَّ الـسـرور سـائـر الأنـحـاءِ بـِـمـولِـدِ هـذا الإنـسـانِ ، فـسـبـحـان مـن جـعـل يـومَ مـولـدِه الـشـريـفِ لـلـكـونِ عـيـداً ، و جـعـل بـعـثـتـَـه لـلـعـالـمـيـن يـومـاً مـجـيـداً . .
و أحـسـن مـنـك لـم تـر قـط عـيـن = = و أجـمـل مـنـك لـم تـلـد الـنـسـاءُ
خـلـقـتَ مـبـرأ مـن كـلِّ عـيـبٍ = = كـأنـك قـد خـلـقـت كـمـا تـشـاءُ .
و كـانـت ولادتـُـه صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم فـي عـامِ الـفـيـل بـعـد الـواقـعـةِ بـخـمـسـيـن لـيـلـةً ، يـوم الإثـنـيـن فـي أواخـر لـيـلـهِ بـعـد الـفـجـرِ الـصـادقِ ، و الأكـثـرون عـلـى أنـه وُلِـدَ فـي شـهـرِ ربـيـعٍ الأول . قـيـل فـي الـسـابـعِ مـنـه ، أو الـثـامـن ، و قـيـل : فـي الـثـانـي عـشـرَ و عـلـيـه الـعـمـلُ فـي بـلادِ الإسـلام و يـوافـق 20 أو 22 مـن شـهـر نـيـسـان . 571 م . سـئـل رسـولُ الله صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم عـن صـوم الإثـنـيـن ، فـقـال : ( ذاك يـومٌ ولـدتُ فـيـه ، و يـومٌ بُـعـثـتُ فـيـه ، أو أُنـزلَ عَـلـيَّ فـَـيـه ) و روى ابـن سـعـد عـن الـعـبـاس أنـه صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم ولـد مـخـتـونـاً مـسـروراً _ أي مـقـطـوع الـسـرة _ .
و قـال ابـن عـبـاس رضـي الله عـنـهـمـا : وُلِـدَ رسـولُ الله صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم يـوم الإثـنـيـن ، و اسـتـنـبـىء يـوم الإثـنـيـن ، و خـرجَ مـهـاجـراً مـن مـكـة إلـى الـمـديـنـة يـوم الإثـنـيـن و دخـل الـمـديـنـة يـوم الإثـنـيـن ، و رفـعَ الـحَـجَـرَ الأسـودَ و وضـعـه فـي مـوضـعِـه يـومَ الإثـنـيـن .
((( 6 )))
مُـرضِـعـاتـُه صلى الله عليه وسلم
و قـد أرضـعـتـه صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم مرضـعـاتٌ ثـمـان : أمُّـه ( آمـنـةُ ) أرضـعـتـْـه تـسـعـة أيـام ، و ( ثـُـوَيْـبـِـيَـةُ ) مـولاة أبـي لـهـب أرضـعـتـْـه أيـامـاً قـبـل قـدوم حـلـيـمـة ، و ( حـلـيـمـةُ ) الـسـعـديـة ، و ( امـرأةٌ مـن بـنـي سـعـد ) أرضـعـتـه , هـو عـنـد حـلـيـمـةَ ، و امـرأةٌ تـُـدعـى ( أُم فـروة ) ، و ( ثـلاث نـسـوةٍ ) مـن قـبـيـلـةِ سُـلـَـيْـم تـُـدعـى كـلُّ واحـدةٍ مـنـهـن ( عـاتـكـة ) ، قـيـل : و هـن الـلائـي عـنـاهـن صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم بـقـولـه : ( أنـا ابـنُ الـعـواتِـك مـن سُـلـيـم ) ، و قـيـل فـي ذلـك أقـوال أخـرى.
و لـمـا أخـذتـْـه حـلـيـمـةُ أخـصـبَ عـيـشـُـهـا و زاد ، و كـثـرتْ مـواشـيـهـا بـعـدمـا كـانـت فـي ضـيـق.
و لـمـا تـَّـم لـه صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم حَـوْلانِ مـن إرضـاع حـلـيـمـة لـه أحـضـرتـْـه إلـى أمـه لانـقـضـاءِ مـدَّة رضـاعِـه ، و سـألـتـْـهـا أن تـتـركـهُ عـنـدهـا إلـى أن يـشـبَّ فـفـعـلـتْ ، و لـمـا كـانَ فـي الـسـنـة الـرابـعـةِ عـلـى الـصـحـيـح و هـو عـنـدهـا ، شـُـقَّ صـدرهُ ثـم قـلـبُـه بـواسـطـة مـلـَـكـيـن اسـتـخـرَجـا مـنـه شـيـئـاً بـالـعـلـقـةِ الـسـوداء الـتـي تـكـونُ فـيـه و غـسَّـلاه ، فـخـافـتْ عـلـيـه حـلـيـمـةُ و ردتـْـه إلـى أمّـهِ.
و لـمـا بـلـغَ سـتَّ سـنـيـنَ و ثـلاثـة أشـهـر قـَـدمـتْ بـه أمُّـهُ آمـنـةُ بـنـتُ وهـبٍ إلـى الـمـديـنـةِ الـمـنـورةِ لـزيـارَةِ أخـوال أبـيـه بـنـي عـديِّ بـن الـنـجـار ، فـأقـامـا عـنـدهـم شـهـراً . . فـكـان رسـولُ الله صـلـى الـلـه عـلـيـه و سـلـم يـذكـرُ ذلـك فـيـمـا بـعـدُ و يـقـول : هـاهـنـا نـزلـتْ بـي أمـي ، و أحـسـنـْـتُ الـعـومَ فـي بـئـرِ عـدي بـنِ الـنـجـارِ ، و كـان قـومٌ مـن الـيـهـودِ يـخـتـلـفـون يَـنـظـرون إلـيَّ . . قـالـت أمُ أيـمـن : فـسـمـعـتُ أحـدهـم يـقـولُ هـو نـبـي هـذه الأمـةِ و هـذه دار هـجـرتـه .
((( 7 )))
و بـعـد الإقـامـةِ شـهـراً هـنـاك ، و بـيـنـمـا هـو فـي صـحـبـتِـهـا ، راجـعـيـن مـن الـمـديـنـةِ ، مـعـهـمـا أمُّ أيـمـن ، حـاضـنـتـُـهُ ، فـوجـئـتْ آمـنـةُ بـآلامٍ مـوجـعـةٍ لـم تـلـبـثْ أن زادتْ و اشـتدت ، فـنـظـرتْ إلـى ولـدِهـا و قـالـت : بـاركَ اللهُ فـيـك مـن غـلام * يـا ابـن الـذي مـن حَـومَـةِ الـحِـمَـامِ * نـجـا بـعـونِ الـمـلـكِ الـعَـلاّمِ * فـَـوُدِيَ غـداةَ الـضـربِ بـالـسـهـامِ * بـمـائـةٍ مـن إبـلٍ سـوام * . ثـم اســــجـمـعَـتْ مـا بـقـي فـي جـسـدهـا الـواهـن مـن قـوةٍ و قـالـت : كـلُّ حـيٍّ يـمـوتُ ، و كـلُّ جـديـدٍ بـالٍ ، و كـلُّ كـبـيـرٍ يـفـنـى ، و أنـا مـيـتـةٌ و ذكـري بـاقٍ ، فـقـد تـركـتُ طـيـراً ، و ولـدتُ طُـهـراً . ثـم أسـلـمَـتِ الـروحَ لـبـارئِـهـا بألأبـواءِ ، و دفـنـتْ فـيـهـا . و قـيـل إنـهـا دُفِـنـتْ بـمـكـةَ فـي شـعـب أبـي ذؤيـبِ بـالـحُـجـون . و قـال بـعضـُـهـم : إنـهـا دُفـنـت أولاً بـالأبـواءِ ثـم نـقـلـتْ مـنـهـا إلـى مـكـةَ بتالـحـجـونِ .
[ و هـنـا يـحـسـنُ أن نـؤكـّـدَ مـا ذهـب إلـيـه الـمـحـقـقـون مـن أهـلِ الـعـلـمِ مـن نـجـاةِ أبـوي الـمـصـطـفـى صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم ، فـإذا كـان عَـبـدُ الـلـه بـن الـزبـيـر قـد فـازَ بـالـبـشـرى لـشـربـِـهِ مِـحْـجَـمـةً مـن دمـه صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم ، و بـركـةُ نـالـتْ مـنـاهـا لـشـربـهـا مـن بـولِـهِ صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم ، فـكـيـف بـمـن تـغـذى هـو بـدمِـهـا فـي بـطـنـهـا تـسـعـةَ أشـهـرٍ ، و رضـع مـن لـبـنـهـا و هـو فـي حـضـنِـهـا تـسـعـةَ أيـام . . . ؟ ! ].
ثـم ضـمَّـهُ جـدُّه عـبـدُ الـمـطـلـبِ إلـيـه و اخـْـتـَـصَّ بـكـفـالـتِـه ، فـكـان يُـجـلـسـه عـلـى فـراشِـه فـي ظـل الـكـعـبـة ، و يـمـسـحُ ظـهـرَه بـيـدِه و يَـسُـرُّه مـا يـراهُ يـصـنـعُ صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم . و لـمـا تـمَّ لـه ثـمـانِ سـنـيـن مـاتَ جـدُّه فـكـفـلـَـهُ عـمـه الـشـقـيـق أبـو طـالـب ، فـكـان يَـحـوطُ رسـولُ الله صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم و يُـكِـرمُـه ، و يُـحـبُّـه حـبـاً شـديـداً ، و لا يـنـام إلا إلـى جـنـبـه ، و يـقـول لـه : إنـك يـا مـحـمـدُ لـمـبـارك .
((( 8 )))
خـروجُـه صلى الله عليه وسلم إلى الـشـام
و لـمـا أتـتْ لــه صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم اثـنـتـا عـشـرةََ سـنـةً و شـهـران و عـشـرة أيـام خـرج مـع عـمّـه أبـي طـالـب إلـى الـشـام ، و فـي بُـصـرى رآه بَـحِـيـرا الـراهـبُ فـعـرفـه بـصـفـَـتِـهِ ، فـأخـذ بـيـده صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم و قـال : هـذا ســيـّـدُ الـعـالـمـيـن ، هـذا رسـولُ رب الـعـالـمـيـن ، يــبـعـثـه اللهُ رحـمـة لـلـعـالـمـيـن ، فـقـال لـه أشـيـاخُ قـريـش : مـا عِـلـْـمُـك؟ ( أي كـيـف عَـلِـمْـتَ ذلـك؟ ) فـقـال الـراهـبُ : إنـكـم حـيـن أشـرفــتـم مـن الـعـقـبـةِ ، لـم يـزل شـجـرٌ و لا حـجـرٌ إلا خـرَّ سـاجـداً ، و لا يـسـجـدان إلا لـنـبـي . ثـم لـم يـزل يـنـاشـدْ أبـا طـالـب أن يـعـود بـه خـوفـاً عـلـيـه مـن الـيـهـودِ نـاقـضـي الـذمـام ، فـفـعـلَ و عـاد بـه إلـى الـبـيـتِ الـحـرام .
و لـمـا بـلـغ خـمـسـة و عـشـريـن عـامـاً ، خـَـرج ثـانـيـة إلـى بـلادِ الـشـام فـي تـجـارةٍ لـخـديـجـة الـطـاهـرة ، يـصـحـبُـه غـلامـهـا مَـيـسَـرَة . و فـي سـوق بُـصـرى رآه الـراهـب نـسـطـورا و قـال : ( إنـه مـن زمـنِ عـيـسـى لـم يـنـزلْ تـحـت هـذه الـشـجـرةِ إلا الـنـبـيُّ الأمـيُّ ).
و بـعـد قـدومـهِ مـن الـشـام إلـى مـكـةَ بـثـلاثـةِ أشـهـر إلا خـمـسـةَ أيـام ، عـقِـبَ صـفـرَ سـنـةَ سـتٍ و عـشـريـن مـن ولادتِـهِ تـزوج خـديـجـةَ بـنـتَ خـويـلـد رضـي الله عـنـهـا و لـهـا أربـعـون سـنـة . و كـانـت تـُـدْعـى بـالـطـاهـرة و سـيـدة نـسـاء قـريـش لـطـهـارتـهـا و عـفـتِـهـا و صـيـانـتِـهـا ، و هـي أولُ نـسـاءِ الـمـصـطـفـى صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم ، وأولُ هـذه الأمـةِ إيـمـانـاً ، و واحـدةٌ مـن أربـعٍ سُــدْنَ نـسـاءَ الـعـالـمـيـن . و مـا تـزوَّج عـلـيـهـا قـط و لا تـسـرَّى ، و أول امـرأة مـاتـت مـن أمـهـاتِ الـمـؤمـنـيـن رضـوان الله عـلـيـهـن ، و كـلُّ أولاده مـنـهـا إلا سـيـدنـا إبـراهـيـم فـإنـه مـن مـاريـةَ الـقـبـطـيـةِ الـتـي أهـداهـا لـه مُـقـَـوْقـَـسُ مـصـر.
و لـمـا بـلـغَ خـمـسـةً و ثـلاثـيـن عـامـاً حـضـر مـع قـريـش تـجـديـد بـنـاءِ الـكـعـبـةِ ،و حـكـَّـمـوه فـي وضـعِ الـحـجـرِ الأسـودِ مـكـانـه ، فـحـكـم بـأن يـرفـعَـه مـن كـلِّ قـبـيـلـةٍ رجـلٌ نـبـيـلٌ فـي ردائـه صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم . فـلـمـا وصـلـوا بـه إلـى مـوضـعِـه أخـذَه الـنـبـيُّ صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم بـيـده و أوقـعَـهُ مـوقِـعَـه.
((( 9 )))
بـعـثـتـُـه صلى الله عليه وسلم
و لـمـا أكـمـلَ الأربـعـيـن ربـيـعـاً مـن حَـيَـاتِـه الـتـي أقـسـم الـلـهُ تـعـالـى بـهـا و لـم يُـقـْـسِـم جـلَّ ذكـرُه بـحـيـاة أحـدٍ سـواهُ قـط فـقـال سـبـحـانـه : { لـَـعَـمْـرُك إنـهـم . . . } ؛ أرسـلـه الـلـه تـعـالـى رحـمـةً لـلـعـالـمـيـن . و أوحـى إلـيـه بإقـامـةِ الـديـنِ ، و مـقـاومـة الـشـركِ و الـمـشـركـيـن . و أقـامَ بـمـكـةَ و هـو يُـوحـى إلـيـه ثـلاثـةَ عـشـرَ عـامـاً . و بـالـمـديـنـةِ الـمـنـورةِ بـعـدَ الـهـجـرةِ إلـيـهـا عـشـر سـنـيـن . و تـوفـاهُ الـلـهُ تـعـالـى هـنـاك عـلـى رأس ثـلاثٍ و سـتـيـن ، بـعـدمـا بـلَّـغ الـرسـالـةَ ، و أدى الأمـانـة ، و نـصـحَ الأمـةَ ، و قـمـع الـكـفـر و الـجـهـالـة ، و حـمـى جـنـابَ الـتـوحـيـدِ ، و دخـل الـنـاسُ فـي ديـن الـلـهِ أفـواجـاً ، و فـُـتِـحـتْ مـكـةُ ، و دانـتِ الـجـزيـرةُ كـلـُّـهـا بـالإسـلامِ .صـلـوات الـلـه وسـلامـه عـلـيـه و عـلـى مـن هـو مـنه و إلـيـه .
((( 10 )))
شـمـائـلـُـه صلى الله عليه وسلم
روى الـبـخـاري عـن أنـس رضـي الـلـه عـنـه قـال : ( كـان رسـولُ الـلـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم أحـسـنَ الـنـاسِ وجـهـاً ، و أحـسـنـَـهـم خـُـلـُـقـاً ) . . و ذلـك لأنـه صـلـواتُ الـلـه و سـلامُـه عـلـيـه . جـمـعَ فـي ذاتـه الـعـالـيـةِ الـشـريـفـةِ ، مـكـارمَ الأخـلاقِ الـتـي جـاء بـهـا الأنـبـيـاءُ قـبـلـه ، اهـتـداءً بـهـدي الـقـرآنِ الـكـريـم { أولـئـك الـذيـن هـَـدى الـلـهُ فـبـهـداهـُـمُ اقـتـدِه } ثـم زادَهـم كـمـالاً عـلـى كـمـالٍ ، و فـاقـَـهـم جـمـالاً عـلـى جـمـالٍ . لـقـد أحـاطَ صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم فـي جـِـبـِـلـَّـتِـه إلـى كـمـال الـخـُـلـُـق و جـمـال الـصـورةِ نـظـافـةَ الـجـسـمِ ، و قـوة الـحـواسِّ ، و تـنـاسُـبَ الأعـضـاءِ ، و اعـتـدالَ الـحـركـاتِ ، و حُـسْـنَ الـهـيـئـةِ ، فـكـانَ فـخـمـاً يـتـلألأ وجـهـُـهُ الـمـنـيـرُ تـلآلـؤَ الـقـمـرِ لـيـلـةَ الـبـدرِ ، مـن رآه بـديـهـةً هـابـه و مـن خـالـطـه مـعـرفـةً أحـبَّـه . . عَـرْفـُـه الـشـذِيُّ أطـيـب مـن كـلِّ طـيـبٍ يـجـعـلـون مـن عـرقِـهِ فـي طِـيـبـهـم لـكـونِـهِ أطـيـبَ الـطـيـب . . و يـحـبُّ كـلّ مـا لـه رائـحـةٌ حـسـنـةٌ لـمـا يـسـتـقـبـلُ مـن الـمـلائـكـةِ . تـنـامُ عـيـنـاه و لا يـنـامُ قـلـبُـه . يـرى مـا لا يـرى الـنـاسُ ، و يـسـمـعُ مـا لا يـسـمـعـونـَـه ، يـرى مـن خـلـفـهِ كـمـا يـرى مـن أمـامـه ، و يـرى فـي الـظـلـمـاءِ كـمـا يـرى فـي الـضـوءِ . و يـبـلـغُ صـوتـُـه حـيـث لا يـبـلـغـُـه صـوتُ غـيـره ، لـقـد أسـمـعَ الـنـاسَ خـطـبـتـَـه و هـو فـي مـنـًـى و هـم فـي مـنـازلـهـم . مـا مـاشـاهُ أحـدٌ يُـنـسَـبُ إلـى الـطـول إلا طـالـَـه رسـولُ الـلـهِ ، و إذا جَـلـس كـانَ كـَـتِــفـُـهُ أعـلـى مـن جـمـيـع الـجـالـسـيـن ، لا يـقـعُ لـه ظِـلٌّ لا فـي شـمـسٍ و لا قـمـرٍ ، و لا يـقـَـعُ الـذبـابُ عـلـيـه ، مـا تـثـاءب قـط ، و مـا احـتـلـمَ قـطّ ، و لـم يُـرَ غـائـطـه قـط ، [ و قـال لـعـائـشـة -_لـمـا دخـلـتِ الـخـلاءَ عـلـى أثـرِه و لـم تـرَ شـيـئـاً إلا رِيـحَ الـمِـسْـك : إنـا مـعـاشـر الأنـبـيـاءِ تـَـنـبُـتُ أجـسـادُنـا عـلـى أرواحِ أهـلِ الـجـنـةِ فـمـا خـرجَ مـنـهـا مـن شـيءٍ ابـتـلـعـتـْـه الأرض ] و كـان يُـسـتـشـفـى بـبـولِـهِ ، و ضـحـكَ لـلـتـي شـربـتـْـه و قـال لـهـا : إنـك لـن تـشـتـكـي بـطـنـك بـعـد يـومـك هـذا أبـداً ، و أمـَّا ريـقـُـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم فـكـان فـيـه شـفـاءٌ لـلـعـلـيـلِِ ، و رُوَاءٌ لـلـغـلـيـل ، و أعْـطـِـيَ قـوةَ أربـعـيـن رَجُـلاً مـن أهـلِ الـجـنـة فـكـان يـدورُ عـلـى نـسـائِـهِ فـي الـسـاعـةِ الـواحـدةِ مـن الـلـيـل أو الـنـهـار و هـنَّ إحـدى عـشـرة . يـواصِـلُ الـصـيـام و يـعـجـزُ كـلُّ الـنـاسِ عـن مـثِـل وِصَـالِـهِ ، و أيـهـُـم يـكـونُ مِـثـْـلـَـه وهـو يـبـيـتُ عـنـدَ ربـهِ يُـطـعِـمُـه و يَـسـقـيـهِ . فـصـيـحُ الـنـطـقِ ، جَـهـْـوريّ الـصـوتِ . كـفـُّـه ألـيَـنُ مـن الـحـريـرِ ، و أطـيـبُ مـن الـمـسـكِ . بـيـن كـَـتِـفـَـيـه خـاتـَـمُ الـنـبـوة ، و هـو نـاتـىءٌ مـن الـلـحـم أحـمـرُ كـبـيـضـةِ الـحـمـامـةِ عـلـى رأسِ كـَـتِـفِـهِ الأيـسـرِ ، و حـولـَـه خِـيـلانٌ و شـَـعـراتٌ مـلـتـفـاتٌ عـلـيـه . .
((( 11 )))
و مـن صـفـاتِـهِ الـشـريـفـةِ و نـعـوتـهِ الـكـريـمـةِ أنـَّـه نـشـأَ عـلـى أكـمـل الأوصـافِ ، أحـسـنُ الـنـاس خـَـلـْـقـاً و خـُـلـُـقـاً ، و أجـودُهـم صـدراً و أصـدقـُـهـم لـهـجـةً ، و ألـيـنـَـهـُـم عـريـكـةً ، و عِـلـمـاً و حِـلـْـمـاً ، و أرحـمُـهـم بـجـمـيـعِ الـخـلـقِ ، و أوصـلـُـهـُـم رَحِـمـاً ، و أوفـاهـم عَـهـْـداً و أمـانـةً ، و أبـعـدُهـم عـن الـفـحـش و مـا لا يَـلـيـق . أجـمـلُ الـنـاس سـيـرةً و سَـريـرةً ، و أبـعـدُهـم غـَـضـَـبـاً ، و إذا غـَـضِـبَ لـلـه لا يَـقـُـومُ لِـغـضـبـِـهِ شـَـيءٌ ، و أسـرعـهـم رضـا . لا يـقـولُ فـي الـرضـا و الـغـضـبِ إلا حـقـاً ، و لا يُـقِــرُّ أحـداً عـلـى بـاطـل . لا يـقـومُ و لا يَـجـلـسُ إلا عـلـى ذكـرِ اللهِ عـزَّ و جـلَّ . مـجـلـسُـهُ مـجـلـسُ حـيـاءٍ و عـلـمٍ و صـبـرٍ و أمـانـَـةٍ ، لا تـُـنـْـتـَـهـَـكُ فـيـه الـحُـرُمـاتُ ، و لا تـَـرتـفـعُ فـيـه الأصـواتُ ، و لا تـشـاعُ فـيـه الـفـلـَـتـَـاتُ . يُـكـرمُ أهـلُ الـفـضـلِ ، و يـتـألـَّفُ أهـل الـشـرَفِ ، و يـمـزحُ و لا يـقـولُ إلا حـقـاً . لـم يُـر قـطُّ مـادَّاً رجـلـيـه بـيـن أصـحـابـه ، لا يَـتـَـخـَّـم وَ لاَ يَـتـَـمَـخـَّطُ ، و لا يَـعْـبَـثُ بـشـيءٍ مـن أصـابـِـعِـه أو أظـفـارِه فـي مَـجـلـسٍ . وإذا خـَـلاَ فـي بـيـتِـه مـع أهـلِـهِ كـان ألـيـنَ الـنـاس ، بـسّـامـاً ضـحّـاكـاً ، يـعـمـل فـي مـهـنـتـهـم ، يـرى الـلـعـبَ الـمـبـاحَ أحـيـانـاً فـلا يُـنـكِـرهُ ، و لا يَـمـضـي لـه وقـتٌ فـي غـيـر عـمـلٍ لـلـهِ أو مـا لا بـدَّ مـنـه مـن صـلاحٍ . سـدده الـلـهُ بـكـلِّ جـميـلٍ ، و وهـبَ لـه كـلَّ خـُـلـُـقٍ حـسـن . الـسـكـيـنـةُ لـبـاسُـه ، و الـبـِـرُّ شـعـارُه ، و الـتقـوى ضـمـيـرُه ، و الـعـبـادةُ سُـلـْـوتـهُ ، وَ فِـي الـصـلاةِ قـرَّةُ عـيـنِـه ، و الـحـكـمـةُ مـنـطـقـُـه ، و الـصـدقُ و الـوفـاءُ سـجـيَّـتـه ، و الـعـفـوُ و الـمـعـروفُ طـبـيـعـتـُـه ، و الـحـقُّ شـريـعـتـُـه ، و الـعـدلُ سـيـرتـُـه ، و الـهـدى إمـامُـه ، والإسـلامُ مـلـتـه . عـرَّف الـلـه بـه الـنـُّـكـرةَ ، و أكـثـرَ بـه الـقِـلـَّـةَ ، و أغـنـى بـه بـعـد الـعَـيْـلـةِ ، و جـمـعَ بـه بَـعـدَ الـفـُـرقـةِ ، و أَلـَّـف بـه بـيـن أمـمٍ و شـعـوبٍ و قـبـائـل مـتـفـرقـةٍ و قـلـوبٍ مـخـتـلـفـة . و جـعـلَ أمـتـَـه خـيـرَ أمـةٍ أخـرجـتْ لـلـنـاس .
((( 12 )))
لـقـد كـان رسـولُ الـلـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم دائـمَ الـبـشـرِ ، سَـهـْـلَ الـخـُـلـُـقِ ، لـيّـنَ الـحـديـثِ ، لـيـس بـفـظِّ و لا غـلـيـظَ و لا صـخـَّـابٍ ، أرأفَ الـنـاسِ بـالـنـاسِ ، لا يـواجـهُ أحـداً بـمـا يـكـره . يـهـابـهُ الـمـلـوكُ و الأمـراءُ . و مـا نِـيـلَ مـنـَـه شـيءٌ فـانـتـقـمَ مـن صـاحـبـِـه إلا أن يُـنـتــَـهـَـكَ شـيءٌ مـن مـحـارم الـلـهِ فـيـنـتـقـمُ لـلـه . ومـا سُـئِـلَ شـيـئـاً قـط فـقـال : لا . و مـا خـُـيِّـر بـيـنِ شـيـئـيـن إلا اخـتـارَ أيـسـرَهـمـا و أرفـقـهـمـا بـأمـتِـه إلا أن يـكـونَ إثـمـاً . و ربـمـا ربـط الـحـجـرَ عـلـى بـطـنـه مـن الـجـوعِ رغـبـةً عـن الـدنـيـا ، و لـيُـقـتـدى بـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم فـي تـركِـهـا . بـيـنـمـا أوتـيَ الـخـزائـنَ الإلـهـيـة و مـقـالـيـدَهـا و راودتـْـه الـجـبـالُ بـأن تـكـونَ لـه ذهـبـاً فـأعـرضَ عـنـهـا . و بـالـجـمـلـة فـقـد تـمَّـم الـلـهُ تـعـالـى بـه مـكـارمُ الأخـلاق . و جـمـاعُ وصـفـه مـا وصـفـَـه بـه ربُّـهُ عـزَّ وجـلَّ { و إنَّـكَ لـَـعَـلـَـى خـُـلـُـقٍ عَـظـِيـم } . و مـهـمـا وصـفـَـه الـواصـفـون فـإنـمـا وصـفـوه بـحـسـب مـا وصـلـت إلـيـه عـلـومُـهـم و ادراكـاتـُـهـم ؛ و إلا فـحـقـيـقـةُ وصـفـه لا يـدركـُـهـا إنـسـانٌ ، و حـسـبُـك أنـه حـبـيـبُ الـرحـمـنِ ، و صـفـوةُ الأكـوانِ ، فـقـلْ فـي حـقـهِ : هـو عـبـدُ الـلـه و رسـولـُـه ، ثـم لا حـرج عـلـيـك مـهـمـا وصـفـت ، فـلـن تـبـلـغ مـا يـجـب لـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم . و رحـم الـلـه الـقـائـل :
و عــلـى تـــفـــنـــن واصــفـــــيـه بــمـــدحــــه=يــفــنـى الــزمــان وفــيـــه مـا لــم يـــوصـــف
1 و علـى تفنـن واصفيـه iiبمدحـه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
و لـيـس هـذا بـمـسـتـكـثـر عـلـى فـرد الـعـالـم ، و فـخـر آدم و بـنـيـه ، و سـيـدِ عَـبـِـيـد الـلـه و أحـبـهـم إلـى الـلـه ، الـذي لـيـس فـوقـه فـي الـكـمـالِ إلا الـلـه . و نـحـن و إن فـاتـتـْـنـا رؤيـةُ كـمـالِـه و جـمـالِـه و مـشـاهـدةُ خـصـالِـه ؛ فـإنـه لـم يـفـتـْـنـا بـحـمـد الـلـه تـعـالـى الإيـمـانُ بـه ، و اعـتـقـادُ أنـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم أفـضـلُ خـلـق الـلـه ، و أعـلاهـم مـنـزلـةً عـنـد الـلـه ، و أكـرمُـهـم عـلـى الـلـه و أدنـاهـم مـن الـلـه سـبـحـانـه.
مــنـــزهُّ عــن شـريــك فــي مـحــاســنــه=فـجـوهـــر الـحـســـن فـيـه غـيـرُ مـنـقـســـمِ
دعْ مـا ادعتــه الـنـصـارى فـي نــبـــيـهــم=و احـكـم بـمـا شـــئـتَ مـدحـاً فـيـه و احـتـكـم
وانـسـب إلـى ذاتـه مـا شـئـتَ مـن شــرف=و انـســب إلـى قـدره مـا شـئـتَ مـن عـظـم
فـــإن فـــضـــل رســـــول الـلـه لـيـــس لــه =حــــدُّ فــيـُـعـــربَ عــنـــه نـــاطـــقُّ بـــفـــم
((( 13 )))
مـعـجـزاتـُـه صلى الله عليه وسلم
مـن مـعـجـزاتِـهِ صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم تـكـلـيـمُ الـجـمـاداتِ و الـبـهـائـم و الـوحـوشِ و شـهـادتــُـهـا و طـاعـتـُـهـا لـه ، و نـسـجُ الـعـنـكـبـوتِ و بـيـضُ الـحـمـامـةِ عـلـى الـغـارِ عـنـد هـجـرتـِـهِ . و إسـمـاعُ الـصـمِّ ، و إبـصـارُ الـعُـمْـي ، و إحـيـاءُ الـمـوتـى ، وشـفـاءُ الأسـقـام ، و نـبـعُ الـمـاءِ مـن أصـابـعـه ، و تـكـثـيـرُ الـقـلـيـلِ مـن الـطـعـامِ و الـشـرابِ ، و تـكـثـيـرُ الـمـاءِ . وانـشـقـاقُ الـقـمـرِ ، وردُّ الـشـَـمـسِ بـعـد الـمـغـيـبِ ، و قـلـبُ الأعـيـان ، و الإطـلاَعُ عـلـى الـغـيـب ، و تـظـلـيـلُ الـغـمـامِ ، و تـسـبـيـحُ الـحـصـى ، و تـسـلـيـمُ الـحـجـرِ ، و حـنـيـنُ الـجـِـذْع ، وتـحـرُّكُ الـمـنـبـرِ . و كـلامُ الـجَـدْيِ و الـشـاةِ الـمـسـمـومـتـيـن ، و سـقـوطُ الأصـنـامِ بـإشـارتِـهِ ، و تـأثـيـرُ قـدمـيـه فـي الـصـخـر دون الـرمـل ، و تـأمـيـنُ أسـكـُــفـَّـةِ الـبـابِ و حـوائـطِ الـبـيـت . و فـي الـمـواهـب : ( لـيـس مـن ضـرورةِ تـفـضـيـل نـبـيـنـا صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم عـلـى الأنـبـيـاءِ أن تـقـعَ عـلـى يـده مـعـجـزاتٌ مـن جـنـسِ مـعـجـزاتِ كـلِّ واحـدٍ مـنـهـم ، فـإن تـفـضـيـلـَـه ثـابـتُ بـالـدلائـل ، و إنـمـا الـمـعـجـزات الـتـي وقـعـتْ عـلـى يـدِ كـلِّ واحـدٍ مـن الـرسـلِ إنـمـا كـانـت طِـبْـقَ مـا يُـنـاسـبُ أحـوال أهـل زمـانِـهـم الـمـبـعـوثـيـنَ إلـيـهـم ، و مـا يُـنـاسـب الـسـبـب الـذي وقـعـتْ لأجـلـهِ الـمـعـجـزةُ ، كـمـعـجـزةِ الـنـارِ لإبـراهـيـمَ عـلـيـه الـسـلام اقـتـضـاهـا إلـقـاؤُهـم إيـاه فـي الـنـارِ ، و انـفـلاقُ الـبـحـر لـمـوسـى عـلـيـه الـسـلام اقـتـضـاهـا لـَـحـاقُ فـرعـونَ بـه و بـقـومـه . . . و هـكـذا . و وقـع عـلـى يـده صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم مـا دعـتِ الـضـرورةُ إلـيـه ، و مـا يـنـاسـبُ الـسـبـب الـذي وقـعـتْ لأجـلـه الـمـعـجـزة ، و ربـمـا كـان مـا وقـع عـلـى يـدهِ أعـظـمُ مـمـا وقـع عـلـى يـدِ غـيـره ، كـنـبـعِ الـمـاءِ مـن بـيـن أصـابـعـه يـفـوق نـبـع الـمـاء مـن الـحَـجَـر ( حـيـثُ نـَـبْـعُ الـمـاءِ مـن الأصـابـعِ غـيـر مـعـتـاد و مـن الـحـجـر مـعـتـادٌ ).
و أعـظـمُ مـعـجـزاتـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم : نـزول الـقـرآنِ الـعـظـيـم عـلـيـه ، الـذي تـحـدى بـه الإنـس و الـجـن و أربـاب الـبـيـانِ عـلـى أن يـأتـوا بـسـورةٍ مـن مـثــلـه فـعـجـزوا و نـَـكـَـلـوا.
و كـذلـك الإسـراء و الـمـعـراجُ ، فـإنـه آيـةٌ كـبـرى ، و لـقـد أُلـِّـفـَـتْ فـيـه كـتـبٌ ، و نـقـتـصـرُ مـن قـصـتـه عـلـى مـا اشـتـهـرتِ الـروايـة فـيـه : روى الـنـسـائـي عـن أنـس رضـي الـلـه عـنـه أن رسـول الـلـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم قـال : (( أتـيـتُ بـدابـةٍ فـوقَ الـحـمـار و دونَ الـبـغـلِ ، خـَـطــْـوُهـا عـنـد مـنـتـهـى طـرْفـهـا ، فـركـبـتُ و مـعـي جـبـريـلُ عـلـيـه الـسـلام ، فـسِـرتُ ، فـقـال : انـزلْ ، فـصـلـيـتُ ، قـال : أتـدري أيـن صـلـيـت ؟ صـلـيـتَ بـطـيـبـة و إلـيـهـا الـمـهـاجَـرُ ، ثـم قـال : انـزل فـصـل ، فـفـعـلـت ، فـقـال : أتـدري أيـن صـلـيـت ؟ صـلـيـتَ بـطـور سـيـنـاءَ حـيـث كـلـَّـم الـلـهُ مـوسـى عـلـيـه الـسـلام ، ثـم قـال : انـزل فـصـلِّ ، فـصـلـيـتُ ، فـقـال : أتـدري أيـن صـلـيـت ؟ صـلـيـتَ بـبـيـتِ لـحـمٍ حـيـث وُلِـد عـيـسـى عـلـيـه الـسـلام ، ثـم دخـلـتُ بـيـتَ الـمـقـدسِ فـجُـمـع لِـيَ الأنـبـيـاءُ عـلـيـهـم الـسـلام ، فـقـدمـنـي جـبـريـلُ حـتـى أمـمـتـُـهـُـم.
عــطـروا الـمـجـالـس بـطـيــب ذكــره تــفــخــيــمـا
و صـــلـــوا عــلــيــه و ســــلــمــوا تــســـلــيــمـا
الـلـهـم صـلِّ و ســلـم و بـارك عـلـيـه و عـلـى آلـه
يـتـبـع .... بـعـون الله