الطرسقة الشيخية بين التأسيس والتجديد

الطريقة الشيخية

الطرسقة الشيخية بين التأسيس والتجديد

مشاركةبواسطة نائب المشرف العام » الثلاثاء 26 يناير 2010 23:26

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحابته أجمعين والتابعين وتابعي التابعين وجميع من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فإن الحديث عن الطريقة الشيخية الشاذلية يقتضي منا بعد المقدمة، الحديث في القسم الأول عن محاور أساسية أربعة، مفهوم الطريقة ومعنى الشيخية ومعنى البوعمامية ومضمون هذه الطريقة، ثم نتناول مجريات الموسم الأول للمولي الصالح سيدي عبد القادر بن محمد لسنة 2005 في القسم الثاني. نتناول هذين القسمين على النحو التالي:
القسم الأول الطريقة الشيخيـــــة:
مقدمــــة
بدأ الأمل يعود اليوم للأمة الإسلامية لتعود للواجهة بدبيب شعاع الحياة الروحية في أوشاجها بعد ما كان معطلا عن غفلة أو مغيبا عن قصد. بدأ الدبيب ببداية عودتها إلى الأصالة، إلى التراث، إلى الحياة الروحية. وبهذه العودة للأصالة والالتفاتة إلى التراث والإحياء للجانب الروحي ستعود لها الاستقامة الجماعية، وترتفع الهمة، وتتم الانطلاقة الصحيحة القائمة على التوازن والتكامل والاعتدال، وتلك أهم سمات الخيرية في الأمة الشاهدة على الناس. وتتجلى هذه العودة المباركة ببداية الاهتمام بالبحث في حياة رجال الإصلاح عبر تاريخ الأمة الطويل للاقتداء بهم والسير على خطاهم، أولئك الذين كانوا منارات للهدى ومثلا عليا في تطبيق الدين على أحسن الوجوه في دنيا الناس.
لقد تخلخل التصور الإسلامي حينما بدأ المسلمون يفصلون إلى حد العداء والقطيعة بين ما هو شريعة وما هو طريقة وما هو حقيقة، في حين أن الدين وحدة متكاملة شاملة لهذه المعاني الثلاث، في الاعتقاد والتصور والسلوك والممارسة. فما هو شريعة ينبغي أن يكون في نفس الوقت طريقة وحقيقة بلا خلاف. ولقد كانت هذه الوحدة أساس خيرية وعظمة وازدهار الأمة، مثلما كانت أساس بروز شخصيات إسلامية خالدة لا زالت منارات للهدى والصلاح والتربية والسلوك.
إن الإسلام دين توحيد لا دين تعديد، توحيد في العقيدة وتوحيد في التصور وتوحيد في العبادات وتوحيد في الصفوف، وبالتالي توحيد في المصالح والمقاصد والأهداف. فإذا كان على صعيد العقيدة مثلا يجب الاعتقاد بوحدة الذات والصفات والأفعال، أي أن نفس الاسم من أسمائه الحسنى يدل على أفعال الله التي يقتضيها هذا الاسم، كما يدل بالتضمن والالتزام على ذات الله وصفاته دفعة واحدة، فعلى صعيد التصور ينبغي أن يتعلق نفس الفعل من أفعال العبادة بالشريعة والطريقة والحقيقة في ذات الوقت. فالصلاة مثلا هي في نفس الوقت شريعة بمقتضى وجوبها، وطريقة بمقتضى أهمية التخلق بأخلاقها والتمسك بروحها لتجنب الرذائل والتحلي بالفضائل، وفي نفس الوقت حقيقة تزج بالإنسان في الحضرة الإلهية ليذوق بها حقيقة العبودية، وهكذا ...( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.) ((1))


الفصل الأول:مدخل عام حول التصوف:
أولا: تمهيـــــــــــــــــــد:
يتفق الباحثون المنصفون على أن التصوف هو الدرجة الإحسانية من الإسلام، مما يعني أنه لب الإسلام وجوهره. ويجدر بنا أن نلقي نظرة على الحقبة التاريخية لفترة الرسالة والخلافة الراشدة للتنقيب عن الكيفية التي تبلور بها التصوف بشكل مستقل عن باقي العلوم الشرعية الأخرى. ففي تلك الفترة لم يكن التصوف معروفا على الشكل الحالي ولا محدود المعالم على انفراد عن بقية شعب العلوم الدينية الأخرى. والسبب بسيط، هو أن تلك الفترة الزاهرة كانت تمثل أوج الأمة وقمة الفهم للدين على الإطلاق، فهما واعتقادا وسلوكا وتطبيقا في الواقع المعيش. بل إنها الفترة المثالية الزاهرة التي ستظل الأمة تستمد منها وجودها وبقاءها في جميع المجالات وعلى مختلف الأصعدة والظروف والعصور والأمصار. لقد كان الدين وحدة متكاملة متراصة بجميع شعبه في تفكير وقلب ووجدان المسلم، كما أن القدوة والقيادة كانتا مجتمعتين في نفس الشخص. بمعنى أن الزعامة كانت ربانية كاملة، أي في نفس الوقت دينية وسياسية. وكان هذا المعنى السامي في التعامل مع الإسلام اعتقادا وسلوكا وعملا يحمل اسم الصحبة. وهو شرف ما بعده شرف، ومكانة ما فوقها مكانة، حتى قال فيهم الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: " إنما أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم .((2)) ذلك أن الصحابي كان في نفس الوقت فقيها ومفكرا وسياسيا وصوفيا وجنديا وعاملا، أي كان عنصرا وسطا متكاملا في الأمة الوسط بالمفهوم الجامع للوسطية التي تجعلها شاهدة على الناس جميعا. وبالتالي لم يكونوا في حاجة بعد إلى إطلاق اسم السلوك أوالتصوف في معزل عن باقي مكونات الدين الأخرى، لأنهم لم يكونوا بعد في حاجة إلى هذا التمييز الذي دعت له الحاجة في ما بعد تخلخل مفهوم الدين في مجال الممارسة والتطبيق بعد ما أصاب الأمة ما أصاب من ضعف وهوان.
ومن جهة أخرى، فإن مختلف العلوم الشرعية في تلك الفترة الزاهرة كانت بالغة القمة شكلا ومضمونا:
ـ أما من حيث الشكل فلأن المخاطبين آنذاك كانوا في قمة البراعة في اللسان العربي، والخطاب الشرعي بجناحيه، القرآن والسنة، جاء في غاية البلاغة خاليا من أي فلسفة أو تعقيد، "بلسان عربي مبين((3))وهكذا استطاع المخاطبون أن يفهموه بغاية الدقة والوضوح، وبغاية السهولة والبساطة.
ـ أما من حيث المضمون، فلأن النصوص الشرعية إنما جاءت لتعالج بالدرجة الأولى الواقع الذي كان قائما آنذاك، واقع الجزيرة العربية في عصر الوحي بالذات، لتجعل منه مصدر مدد وإشعاع لإصلاح العصور اللاحقة من مختلف الأجناس والأمصار. ولما كان ذلك الواقع خلوا من الفلسفة والتعقيد، جاءت النصوص في غاية الدقة والوضوح.
أما من حيث استيعاب نصوص الشريعة لجميع الوقائع والمستجدات اللاحقة بحكم خصائصها من ديمومة وواقعية وشمول، فإنما جاءت في معظم الأحيان بخطوط عريضة ثابتة، تاركة جوانب التفاصيل والجزئيات، بحكم مرونتها، للاجتهاد كي تسع مختلف ألوان الوقائع المستجدة، التي لم يكن من المفيد أن تطرح بصريح العبارة آنذاك تفاديا للفتنة. وبما أن الحياة كانت سريعة التغير والتعقيد بالنظر إلى سرعة تمدد رقعة الإسلام بفضل الفتوحات المتوالية، فقد تعددت المستجدات وتلونت بسبب تعدد العقائد والفلسفات الوافدة من جهة، وبسبب الاضطرابات التي نشبت مباشرة بعد نهاية الخلافة الراشدة والتي أدت إلى ابتعاد الأمة نسبيا على معين الوحي من جهة ثانية. والحالة هذه، فقد بدأ التصور الإسلامي نسبيا في التصدع انطلاقا من الفتنة الكبرى التي أصابت ذا النورين الخليفة الراشد سيدنا عثمان بن عفان، فتنة لا زالت سلبياتها تلقي بظلالها على حياة المسلمين إلى وقتنا الحاضر.
هكذا تكون المناخ الملائم لتصدع التصور الإسلامي بإعلان انفصام مختلف الشعب الإسلامية عن وحدة التصور، حيث أصبح كل من علم الفقه وعلم الحديث وعلم الكلام والفلسفة ثم التصوف وغيرهم من العلوم في ما بعد، في استقلال شبه تام عن باقي العلوم الأخرى . بل قد أدى هذا الخلل في التصور إلى بروز ظاهرة التكفير مثلما وقع لعدد من أقطاب التصوف كالحلاج والحاتمي وابن سيرين وغيرهم. وأحيانا أخرى أدى إلى الصراع الدموي كما كان الشأن مع الخوارج، وكما وقع لأكثر من أعلام الأمة الكرام مع متفيقهة وأمراء عصورهم شأن الإمام أحمد بن حنبل وغيره.

المصدر
كتاب الطريقة الشيخية السند والأذكار تأليف الأستاذ أحمد بن عثمان حاكمي
نائب المشرف العام
 
مشاركات: 55
اشترك في: الجمعة 22 يناير 2010 11:23

Re: الطرسقة الشيخية بين التأسيس والتجديد

مشاركةبواسطة نائب المشرف العام » الثلاثاء 26 يناير 2010 23:28

ثانيا: مفهوم الطريقــــــــــــــــة:

يدور مفهوم التصوف حول إعداد المريد من الجانب الروحي والذوقي بغية التخلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ومحاولة الاتصاف بصفاته في حدود الاستطاعة والإمكان، كي يصير أهلا لتسلق معراج القرب من الحضرة الربانية ووعاء للمعارف اللدنية. ولن يتأتى ذلك بطبيعة الحال إلا بأن يتخلص من جميع الصفات الذميمة المنافية للصفات المحمدية، وهي مرحلة التخلية، ثم العمل بالجد والاجتهاد إلى إحلال الصفات الفاضلة المحمدية محلها، وهي مرحلة التحلية. ويتطلب هذا المقصد الأسنى من المريد مجاهدة كبيرة للخروج من حظوظ النفس والهوى والأنا حتى يصير محلا للعناية الربانية الخاصة، وهذا ما يعبر عنه بالتجلية. كما يعبر عن هذه المرحلة أيضا بالجمع أو الفناء، ليعود بعدها السالك عارفا واصلا وارثا.
ويعود سبب تضارب الناس حول هذا الموضوع إلى اعتمادهم لإدراكه على العقل المجرد. وإذا كان العقل سلاحا فعالا لتحصيل العلوم الكونية والشرعية، ومناطا للتكليف، إلا أنه يظل بالتأكيد محدودا قاصرا عن إدراك كنه ما لم يخلق لإدراكه. فالمجالات الذوقية والقلبية والروحية والوجدانية، أي التي لا تقع تحت الحس والمشاهدة، يظل العقل عاجزا تمام العجز عن إدراكها ولا يسعه فيها إلا التسليم. ومن هنا فالذين يعمدون إلى تحكيم العقل في الأمور الغير محسوسة يضلون ويضللون حينما يصدرون أحكاما جزافية بعين العقل المجرد على أمور هي من مجال القلب والبصيرة. إن العقل السليم هو الذي يعترف بقصوره ويقف عند حدوده لا يتجاوزها ليسلم الأمر في ما وراء ذلك للحواس المختصة، حتى يكون بذلك قد سلم من السقوط في المخاطر. أما العقل الذي لا يعترف بالقصور ولا يقف عند حدود فهو عقل ملؤه الجهل والغرور، ولا شك أنه يؤدي بصاحبه للهلاك والخسران.
ولما كانت الطائفة العظمى من الناس لا تعترف إلا بما تراه العين، ولا تصدق إلا بما تدركه العقول، فقد أصبح التخبظ والتعارض والتكذيب والتكفير في شأن التصوف من الأمور الحتمية التي لا محيص عنها. وغير خاف أن التصوف ميدان الأخلاق والأذواق والأشواق، مجالات لا تقع تحت الحس والإدراك تتعلق بالروح أساسا، يستعصي على العقل أن يقول فيها كلمة الفصل، وإلا كانت رجما بالغيب.
إن التصوف بأبسط معانيه، هو المرتبة الإحسانية بالمعنى الكامل للإحسان من مراتب الإسلام الثلاث. ويقوم أساسا على تحقيق التوحيد، من ربوبية وألوهية، والمجاهدة العالية في العبادات مع الإخلاص فيها، وصفاء السريرة، وتطهير القلب، وتزكية النفس، والحرص على التخلق بالأخلاق المحمدية رغبة في بلوغ الكمال الذي قدر له لدخول دائرة المحبوبية.
بمفهوم جامع، التربية من أجل التزكية، والتنقية من أجل الترقية.
ولما كان هذا الميدان في غاية الخصوبة، وكان محل كتابات عديدة ودراسات متنوعة، ارتأيت أن أنتقي بعض ما كان منها بلسان العصر لتقريب المعنى للعقل الحائر التائه، حتى لا يحرم صاحبه من هذا الفضل العظيم.
ومن جملة أجمل ما كتب بلسان العصر في الموضوع كتاب:
= الطرق الصوفية وفروع القادرية بمصر ليوسف محمد طه زيدان، كتاب نقتطف منه ما يلي:
" تحمل كلمة التصوف بين طياتها عالما فريدا من الرؤى النورانية الشفافة، كما تشير إلى نمط من الفكر والسلوك يتميز بخصوصية شديدة. وإذا كانت الحياة الصوفية تعكس أعمق وجهات النظر تجاه الوجود الدنيوي، فإنها تمثل أيضا: أعلى مظاهر التقوى الدينية النابعة بصدق الرابطة بين الإنسان وخالقه...
..إن التصوف ضرورة، فهو يمثل الجانب الروحي الوجداني في حضارة هذه الأمة، فبين شتى المذاهب والاتجاهات التي تعاقبت عبر التاريخ الممتد لقرون الإسلام، كان التصوف هو الضمير النابض الذي أشاع الصدق في وجدان الأمة، وكان الصوفية هم فقهاء القلوب الذين وضعوا قواعد المعاملة بين الإنسان والله، وبين الإنسان والإنسان على أرض اليقين الراسخ والأخلاق الحقيقية....
والتصوف ضرورة، لأنه منتهى السعي الصادق في كل الدروب، ما من خطى تحث لبلوغ الحقائق إلا وكان التصوف غايتها ومنتهاها....
والتصوف ضرورة من حيث كونه حقيقة العبادات، فلو ظلت شعائر الدين لدى المتدين قاصرة على الرسوم والأشكال الظاهرة، فإن ينابيع الإيمان تنطمس في قلبه. إن التصوف يقف بنا على حقيقة مهمة تقول بتلازم القلب والجوارح. ففي فرض كالصلاة، لا يتسنى للعبد تأديتها على وجه الحقيقة ما لم تعرج به صلاته عن كل ما سوى الله.. فالصلاة بالمفهوم الصوفي، ليست حركات وسكنات وتلاوة آيات فحسب، بل هي ارتقاء ومعراج ذوقي في أوقات يقف فيها العبد بين يدي مولاه، فالمحروم من هذه الأذواق عندهم ، محروم من الصلاة...
إن التصوف هو إسلام بذوق...فما التصوف إلا تذوق حقائق الإسلام...
وهذا المفهوم العام للتصوف باعتباره (الإسلام بذوق) يعني عدة لأمور:
ـ أولها أنه لا شيء في التصوف يخرج عن سياج الشريعة الإسلامية..
ـ وأنه لا يسع الصوفي مهما كانت مرتبته الروحية أن يسقط قاعدة شرعية، وإلا صار زنديقا..
ـ وأنه لا يمكن أن تتعارض الحقيقة الصوفية مع صريح الكتاب والسنة. فإذا ما تسامت الحقيقة الذوقية، ولم يدرك الفرد أصلا شرعيا لها، فإن الواجب هنا التوقف حتى يلوح الأصل الشرعي لفهمه، وإلا استغنى عما لا يفهمه...
والتصوف ـ كإسلام بذوق ـ يعني أيضا وحدة بنيانه، فالإسلام كل لا يتعدد مهما اختلفت فيه الفرق وتنوعت المآخذ والمداخل، وكذلك الأمر فيما يخص التصوف...
والطريق عند الصوفية، هو إقامة ناموس العبودية عبر الرحلة الممتدة من الخلق إلى الحق...
هو السبيل العارج من العالم الفاني إلى حضرة الباقي عز وجل...
ويتفق الصوفية على أن غايات الطريق ونهاياته لا تصح إلا بصحة البداية..."
= أما العلامة المغربي المحدث أحمد بن محمد بن الصديق الغماري الحسني صاحب كتاب "البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي" فيقول في ترقيم المقدمة ص:23:
" أهل التصوف ـ كما يقول الغزالي ـ السابقون لطريق الله وخاصته. سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جمع عقلا العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به. وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريق: طهارتها ـ وهي أول شروطها ـ تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها، الفناء بالكلية في الله."
نائب المشرف العام
 
مشاركات: 55
اشترك في: الجمعة 22 يناير 2010 11:23

Re: الطرسقة الشيخية بين التأسيس والتجديد

مشاركةبواسطة نائب المشرف العام » الثلاثاء 26 يناير 2010 23:31

ويضيف في ص: 2 من ترقيم الكتاب:
" ولو صح لأحد شيء بلا واسطة لما كان لمولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عليه السلام واسطة مع أنه عليه الصلاة والسلام أجل منه وأفضل وأعلى وأعز وأكمل. فمن تقديم المفصول على الفاضل رفعة لمقام الفاضل وتنويه بعبودية الكامل. وانظر إلى أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم، مع أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يفتح لك الباب وتفهم سر الخطاب. فما عظمت الحرية في أحد إلا وكانت العبودية فيه أعظم. إذ ما تشرف من تشرف إلا بها، وما طرد من طرد إلا بالدعوى والركون إلى الحرية والأنانية. وما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح. وقد قال الجنيد رضي الله تعالى عنه، (سبق في علم الله القديم ألا يدخل أحد لحضرته إلا على يد عبد من عباده)...."
إلى أن يقول في الصفحة الموالية:
"... فقد قال القطب الشعراني رضي الله عنه في فوائد النسبة العامة: إن المنتسب يكون كالحلقة في السلسلة لا يتحرك في أمر إلا تحركت السلسلة كلها معه إلى مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف غير المنتسب فإنه يتحرك وحده ويسكن وحده."
وفي هذه العبارة معنى وأي معنى. ويضيف قائلا:
" وقال العرف الشعراني في مدارج السالكين إلى رسوم طريق العارفين: اعلم أيها المريد وفقنا الله وإياك لمرضاته أن من لم يعرف آباءه وأجداده في الطريق فهو أعمى، وربما انتسب إلى غير أبيه. فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم " لعن الله من انتسب إلى غير أبيه". ومرادنا بمعرفة الآباء الاقتداء بهم في الأخلاق الشرعية, وقال سيدي عمر بن الفارض رصي الله عنه:
نسب أقرب في شرع الهوى بيننا من نسب من أبوي
وذلك لأن الروح ألصق بك، فأبو الروح يليك وأبو الجسم بعده، فكان بذلك أحق أن تنسب إليه من الجسم. وقد درج السلف الصالح كلهم على تعليم المريدين آداب آبائهم ومعرفة أنسابهم. وأجمعوا كلهم على أن من لم يصح له نسب القوم لقيط فلا أب له في الطريق، ولا يجوز له التصدر والجلوس لإرشاد المريدين إلا بعد أخذه آداب الطريق عن شيخ كامل مجمع على جلالته وخبرته بالطريق، ..." (4)
= ويضيف في ص 231 حول موضوع لبس الخرقة التي هي شعار الصوفية:
"...فقد لبس الخرقة أمم لا يحصيها إلا خالقها ولا يحيط بها إلا ربها، من القرن السادس إلى يومنا هذا، بل لبسها حتى أشد الناس عداوة للصوفية، وأكثرهم إنكارا عليهم وطعنا في طريقهم، كما يعلم من كتب الرجال وتواريخهم، ورواة السنن والمسانيد ومعاجم المتأخرين وأثباتهم، وفهارسهم ومسلسلاتهم. وقد لبسها الحافظ ابن حجر من يد جماعة كما في معجمه وألبسها أيضا لجماعة، مع طعنه فيها، وجزمه بانقطاع سندها، وكونه من أبعد الناس عن التصوف والصوفية. وكذلك تلميذه الحافظ السخاوي. بل ولبسها من هو أشد الناس عداوة للصوفية منهما كالذهبي وأمثاله."
ومعلوم أن للصوفية لغة تكاد تكون خاصة، الغاية منها صون الأسرار وحماية العوام من أن يكذبوا في الأمور الروحية والقلبية التي تفوق مداركهم. على أن هناك من ينادي بضرورة تبسيط الخطاب الصوفي كي لا يحرم منه عموم الناس، ومن ذلك الدكتورة سعاد الحكيم في كتابها الجميل عودة الواصل، إذ تقول في ص 31:
" فعلى حين أني لم أجد كفرا في نصوص الصوفية، إلا أنه من الممكن أن ينشأ الكفر من علاقة الأمي بالنص الخاص، من فهمه للنص. والمدان هنا هو النخبة التي تصر على التلويح والتلميح...." إلى أن تقول:
" الحل هو بأن ترجع النخبة عن قرار الحجر على الأسرار وترجع عن لغتها التي هي لغة خاصة وراء طور العقل إلى لغة العقل المشترك الثابت تخاطب هذا المؤمن العامي الذي يتعشق أخبار الخواص ويتنسم حكايات مشاهدتهم وفتوحاتهم السماوية والأرضية، تخاطبه بلغته..."
بيد أنها، وإن كانت شديدة الحرص مشكورة على ضرورة كشف تلك الأسرار التي صارت حكرا على الخواص للعوام أيضا، بمجرد تبسيط الخطاب كما تزعم، إلا أن الأمر يبدو فوق ذلك بكثير، إذ إن الناس ليسوا مؤهلين على حد سواء لتلقي تلك المعارف الربانية العالية، وإلا لانتفى معنى الخصوصية بالمرة. كما أن إطلاع غير المؤهل لمعارف تفوق مستواه فد تؤدي به إلى ما لا يحمد عقباه، وإلا فما الفائدة ما دام الحق سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ومن جهة أخرى فإن تاريخ الأمة يزخر بمشاهير الأقطاب، الذين بلغوا قمم الولاية وجمعوا بين الشريعة والطريقة والحقيقة، فلا يعقل أن يكون هذا المفهوم غائبا عنهم جميعا، خصوصا وأن الناس كانوا أكثر تأهيل في الأزمان السابقة منهم من اليوم.
نائب المشرف العام
 
مشاركات: 55
اشترك في: الجمعة 22 يناير 2010 11:23

Re: الطرسقة الشيخية بين التأسيس والتجديد

مشاركةبواسطة نائب المشرف العام » الثلاثاء 26 يناير 2010 23:33

نعود للطريقة الشيخية لنقول،

الطريقة الشيخية هي طريقة تربوية روحية سلوكية صوفية تتسم بالسنية الكاملة والبساطة والوضوح والاعتدال والوسطية، يرجع تاريخ إنشائها إلى القرن العاشر الهجري من قبل الشيخ الرباني العارف بالله سيدي عبد القادر بن محمد بعدما أجازه شيخه سيدي امحمد بن عبد الرحمان السهلي الذي وقعت له معه مجموعة من الوقائع و الكرامات المتواترة، لا زالت آثارها قائمة، نرجو الله أن تكون محل بحث وتنقيب في المستقبل القريب لتتم الاستفادة منها. والطريقة الشيخية فرع من الطريقة الشاذلية الشهيرة المنتشرة في العالم الإسلامي عموما وفي بلاد المغرب العربي على الخصوص. إذ يحتل الشيخ سيدي أبي الحسن الشاذلي الرتبة الثامنة في سلسلة سند شيوخ سيدي عبد القادر بن محمد كما سنرى.
أما في ما يتعلق بالطريقة ذاتها فنؤكد على أنها طريقة سنية بالمعنى الكامل، ارتأى مبدعها الشيخ سيدي عبد القادر بن محمد إلا أن يتركها بيضاء ببياض الإسلام ووضوحه كما فهمه الرعيل الأول وطبقه في الواقع، ونقية من جميع ما يفتح المجال للقيل والقال. ليس فيها من الأذكار إلا ما هو ثابت بالقرآن والسنة، وليس فيها من الطقوس إلا ماله شواهد من الشرع . طريقة بسيطة ببساطة الفطرة، وشاملة بشمولية الإسلام .إنها الطريقة الشيخية مشربا الشاذلية مرجعا المحمدية أصلا ومنبعا.
لقد ظلت هذه الطريقة سخية معطاءة عبر القرون الماضية على إنشائها فقد تخرج منها مند البداية جماعة فاضلة من أبناء الشيخ سيدي عبد القادر بن محمد الذين لازال صيتهم ذائعا إلى حد الآن أمثال سيدي الحاج بحوص وسيدي الحاج عبد الحاكم وسيدي الحاج إبراهيم وسيدي امحمد عبد الله وسيدي بن عيسى وغيرهم. ثم تخرج منها من بعدهم آخرون من حفدته ومن غيرهم أمثال سيدي بودواية وسيدي بحوص الحاج والشيخ بوعمامة وسيدي الحاج الطيب وسيدي التاج بلحرمة وسيدي مول الفرعة. كما تخرج من بعدهم آخرون أمثال سيدي عبد الحاكم بن الطيب وسيدي أحمد بن الشيخ وغيرهم. وقد كان جميع هؤلاء وسواهم كثير ممن لم أذكر أولياء صالحين ظهرت على أيديهم كرامات ولهم مزارات معلومة إلى اليوم. ولازالت هذه الطريقة مستمرة العطاء دائمته كما هو شأنها اليوم مع الشيخ سيدي الحاج حمزة الشيخ القيم حاليا على الطريقة وباب مددها، وسيدي الحاج الشيخ بن أحمد وغيرهما. ولا أدل على دوام عطائها أيضا ولله الحمد، تلك الثلة المباركة الخيرة النيرة من أبناء الشيخ حفظهم الله ورعاهم.

هوامش الفصـــــــل الأول:
1= رواه مسلم وأحمد والترمذي وأبو داوود والنسائي وغيرهم
2 = رواه ابن بطة في الأمالي الكبيرة.
3 = سورة الشعراء آية 195
4 = إشارة إلى الحديث الشريف الذي رواه ابن ماجة وأبو داوود والطبراني في الأوسط. لعن الله من انتسب إلى غير أبيه
5 = أنظر كتاب الطريقة الشيخية في ميزان السنة أحمد حاكمي.الطريقة الإسلامية السنية الصوفية " الشيخية".
نائب المشرف العام
 
مشاركات: 55
اشترك في: الجمعة 22 يناير 2010 11:23

Re: الطرسقة الشيخية بين التأسيس والتجديد

مشاركةبواسطة نائب المشرف العام » الثلاثاء 26 يناير 2010 23:35

ثانيا: ظروف النشــــــــــأة
مما يزيد في مكانة الطريقة الشيخية كونها نشأت في ظروف غير ملائمة تماما، كما سنرى، ظروف يمكن إيجازها في ما يلي:
1) كونها نشأت في الوسط الفكيكي الذي كان يزخم بالزوايا والطرق الصوفية المحلية ذات المستوى الرفيع، طرق كانت تكتسح الساحة و تحول دون أي طريقة وافدة أن تثبت ذاتها في ذلك الوسط.
ومن هذه الطرق المباركة نذكر :
أ ـ الزاوية البرزوزية أو الجبارية: التي أسسها في نهاية القرن الثامن الشيخ سيدي أحمد بن موسى البرزوزي0 وقد عرفت هذه الطريقة أوج نشاطها في عهد ابنه الولي الصالح الشهير سيدي عبد الجبار الفجيجي الذي أخذت اسمه فيما بعد0 وسيدي عبد الجبار هذا هو صديق سيدي سليمان بن بوسماحة لكونهما معا من تلاميذ سيدي أحمد بن يوسف الملياني. وهو أيضا شيخ سيدي محمد بن سليمان والد سيدي عبد القادر بن محمد.
وقد استمر نشاط هذه الزاوية بنفس الكيفية في عهد سيدي محمد بن عبد الجبار الذي كانت له علاقات مع سيدي عبد القادر بن محمد سواء عن طريق التلمذة أو المصاهرة .
ويكفي أن نقول، إن هذه الزاوية كانت في أوجها إبان بزوغ فجر الطريقة الشيخية باعتبارها كانت دار العدة أو الزاوية العلمية بالنظر إلى الدور الهام الذي كانت تلعبه في مجال العلم و التربية والإصلاح في الوسط الفجيجي.
ب ـ الزاوية السكونية: التي يرجع إنشاؤها إلى القرن التاسع الهجري على يد القاضي العالم الورع سيدي عبد الحق السكوني. ولما تولى شأنها حفيده سيدي محمد بن عبد الرحمان بن عبد الحق كان القاضي ابن أبي محلى خريج الزاوية الشيخية قد فشل في الاحتيال على شيخه وصهره سيدي عبد القادر بن محمد فناصبه العداء المعروف وعمد بعده للاحتيال على الشيخ محمد بن عبد الرحمان الذي ولاه تسيير الزاوية السكونية وأصبح شيخها الفعلي. لكنه ما لبث أن تخلى عنها لحساب طموحه السياسي ضد السعديين في القصة المعروفة.
ويجدر بنا أن ننقل كلمة لصاحب كتاب واحة فكيك الصفحة 47 وما يليها لتوضيح هذا المنحى :
"وتمدنا نصوص ابن أبي محلي بإفادات نستخلص منها أنه كان يخطط لمشروع سياسي طموح يكون لأهل فكيك فيه دور مهم، وعلى هذا الوجه نفسر قربه من الشيخ الصوفي عبد القادر السماحي الذي كان يتمتع بنفوذ لا قبل لأحد بامتصاصه على جميع المنطقة الجنوبية الشرقية. ففي إطار البحث عن وسائل أهدافه ارتأى أن يعتمد عليه بأن سعى إلى كسب وده وتمتين الصلة به، هذه الصلة التي توجت بالمصاهرة. غير أن الشيخ الصوفي، وكان داهية صعب المراس، تنبه إلى أن ارتباطهما لم يكن طبيعيا، وأن صهره أراده أداة طيعة في يده ليس إلا .. مما سيكون له وقع سيء على نفوذه الروحي والمالي، فقطع عليه الطريق لينقلب الود والصفاء بينهما. وبذلك الموقف الحاسم من السماحي نفسر توالي هجماته الشرسة وحملاته العنيفة. وإن تعجب فعجب تخصيصه كتبا بأكملها في ذمه والتشهير به. ولا نعدم فيها إشارات إلى مشاغله واهتماماته السياسية ..." انتهى .
والشيخ السماحي المذكور هنا هو نفسه الشيخ سيدي عبد القادر بن محمد صاحب الترجمة.
وغير خاف أن ابن أبي محلي قام فعلا بثورة على الأمير زيدان بمراكش واستولى على السلطة لما يقارب 3سنوات و8 أشهر إلى أن دارت عليه الدائرة فذاق هزيمة نكراء قتل فيها على أبواب مراكش
ومن أبرز الشيوخ الذين انتعشت هذه الزاوية في عصره العالم الزاهد الصالح سيدي أحمد بن محمد بن عبد الرحمان بن أبي بكر المسمى اختصارا أحمد بن أبي بكر السكوني. ومن أعظم تواضع هذا الشيخ الجليل أنه ربط صلات حميمة مع كل من الزاوية الناصرية والزاوية الشيخية على حد سواء. وتكفي الإشارة إلى أنه مؤلف كتاب تقوية إيمان المحبين في مناقب الشيخ سيدي عبد القادر السماحي لنعرف مدى تواضعه ومحبته للصالحين.
ج ـ الزاوية الونشريسية: هذه الزاوية، رغم تراجعها نسبيا في تلك الفترة، إلا أنها كانت لا تزال تستقطب عددا لا يستهان به من المريدين والأتباع .
وإلى جانب هذه الزوايا المحلية كانت هناك طرق سابقة أخرى منتشرة بين أهالي فكيك نذكر منها القادرية والزيانية والطيبة وغيرها.
كان من المفروض إذن أن يمثل وجود هذه الطرق العريقة بهذا الشكل عائقا كبيرا وسدا منيعا أمام ظهور أي طريقة جديدة، حتى ولو كانت محلية المنبع، ناهيك عن أن تكون وافدة. ومع ذلك فقد استطاعت الطريقة الشيخية أن تثبت ذاتها في ظل هذه الظروف، بل وتكتسح الساحة بشكل غير مسبوق كما شهد بذلك أكثر من واحد .
2) كونها نشأت في وسط فجيج الذي كان مركز إشعاع علمي كبير وقبلة لمجموعة من العلماء نظرا لتوفر الظروف الاجتماعية والسياسية الملائمة لطلب العلم بالواحة آنذاك. ومن لائحة العلماء الطويلة الذين عاشوا بفجيج في تلك الفترة نذكر على سبيل المثال :
أ ـ الفقيه الولي الصالح سيدي علي بن عيسى البرزوزي . كان عالما شهيرا تولى التدريس وإمامة المسجد العتيق وأنشأ زاوية تحمل اسمه ، وكان هذا الشيخ معاصرا لسيدي سليمان بن بوسماحة .
ب ـ الفقيه الصوفي الولي الصالح سيدي عبد الوافي بن أحمد الذي كان مثالا للتقوى وحسن السلوك والبراعة في فنون العلم، وكان هذا الشيخ يقوم بدور اجتماعي بارز. وقد عاش في القرن العاشر حيث كان معاصرا لسيدي عبد القادر بن محمد .
ج ـ الفقيه الإمام العادل سيدي عبد الحق بن محمد بن عبد الحق السكوني الذي كان لا يخشى في الله لومة لائم. تولى التدريس وإمامة المسجد والقضاء، وكان خير من قام بذلك حتى أدى به الصدع بالحق للاغتيال حوالي 980. وكان بدوره معاصرا لسيدي عبدا لقادر بن محمد .
د ـ الفقيه الأديب صاحب التصانيف سيدي عبد الرحمان بن محمد بن أبي بكر السكوني، تتلمذ على يد جملة من شيوخ فجيج فتضلع في العلوم الدينية والأدبية على حد سواء، وتولى القضاء والفتوى، وكان معاصرا بدوره للشيخ سيدي عبد القادر بن محمد.
ه ـ الفقيه الجليل سيدي محمد بن إبراهيم الأنصاري الذي كان يتولى التدريس وإمامة المسجد العتيق
و ـ الفقيه الولي الصالح سيدي منصور بن أبي القاسم بن ناصر الفجيجي، كان له باع طويل في العلوم الفقهية والتوحيد وله مجموعة من التصانيف. كما أسس زاوية كان لها صدى كبير في مجال العلم. وكان أيضا معاصرا للشيخ .
ولقد كان هذا التيار العلمي المتميز لوحده كفيلا أن يقوم سدا منيعا أمام انتشار الطريقة الشيخية، ـ خصوصا إذا عرفنا الصراع الدائم بين تيار العلماء وبين شيوخ الطرق الصوفيةـ لولا ما كانت تتمتع به من عوامل القوة الذاتية
3) الموقف العدائي الخطير الذي فجره من الداخل القاضي أحمد بن أبي محلى، موقف كان بإمكانه لوحده أن يصدع صف الزاوية ويشل حركتها نهائيا لو أنها لم تكن قائمة على أساس متين. فابن أبي محلى هذا :
ـ كان فقيها متمكنا قرأ بفاس وسجلماسة قبل أن يتخرج من الزاوية الشيخية التي كان يعتبر من أنجب خريجيها.
ـ كان أديبا بارعا أيضا كما يتبين من كتاباته التي تتميز بأسلوب أدبي رفيع.
ـ كان داهية صاحب بدماغوجية خطيرة وتأثير بليغ. يتجلى ذلك واضحا من مكانة التعظيم والتقدير التي كان يتمتع بها بين أتباعه حينما انتقل إلى الزاوية السكونية، حتى كان من تلاميذه من كان يرفعه إلى مرتبة تساوي أو تفوق مرتبة الرسول صلى الله عليه وسلم حسب ما ورد في مذكراته . (انظر " الواحة " ص 139.)
ـ كان بارعا في الدعاية والتشهير، مجتهدا في توظيفهما دون تورع لتحقيق طموحاته السياسية الكبيرة، ولو اقتضى الأمر أن يكون على حساب الزاوية التي تربى بين أحضانها والشيخ الذي كان له عليه عظيم الفضل. وقد كان يتمتع بلسان حاد لاذع لا يتحاشى الأعراض كما يتبين من كتاباته التي هاجم فيها شيخه بضراوة ونعته بأبشع النعوت وأذم الأوصاف دون خجل أو حياء. ويكفي أنه ألف في هذا الغرض كتبا كاملة تقشعر الجلود من مجرد سماع عناوينها.
ـ كان تارة يؤلب أتباعه في التشهير بالشيخ وبأتباعه، شأن ما فعل ابن بهلول في قصيدته اللاذعة التي وردت في الصفحة 138 من كتاب الواحة،
ـ وتارة أخرى يؤلب عوام السكان مثلما ورد في ص 48 من نفس المصدر،
ـ وتارة ثالثة يحاول أن يؤلب عليه علماء وفقهاء المدينة. ولما يئس من استجابة هؤلاء لجأ إلى مهاجمتهم بدورهم بقوله: "وهم أشبه بالألباء وهم الأقل إلا أنه حرموا رفيق التوفيق فباعوا منه دينهم بالدنيا فنصروه وآزروه على باطله وبهم اغترت العامة ". كما هاجمهم بصيغة أقصى بقوله :" ومن فحش فقهاء البلدان أن أئمة المساجد منهم يؤخرون لأجله الجمعة كما ذكرته خوفا منه وتبعا لهواه وحذرا أشلائه العامة عليهم وتلك عادته. فباعوا دينهم بالمداهنة فيه. ولو نصروا دينه لنصرهم عليه ولكنهم خافوه فسلط عليهم وذلك جزاء الظالمين. ولكنهم قد يعذرون لكون دهماء العامة يومئذ بفكيك تبعا له على باطله لجهلهم بحقيقته وبحق الله تعالى فاستحوذ عليهم فصار ينتقم بهم ممن شاء من خواص المسلمين إذا تعرضوا لشيء من نفاقه". ص 79
وبخوصو الخطورة التي كان يتميز بها القاضي ابن أبي محلي نذكر ما أورده:
الأستاذ بنعلي بوزيان من كتاب فجيج في عهد السعديين ص 286:
" ومن سوء حظ السماحي أنه وقع في قبضة محجاج حاذق لفنون القول، يعد عليه سقطاته واحدة واحدة، ـ في الأعم الأغلب ـ من مخالطيه، وربما زاد فيها من خياله، ومع ذلك فإن السماحي ضغطه بحكمته وقوته العددية التي لم تتأثر ـ في معظمها ـ بهذا الصراع. "
ولما كان ابن أبي محلي القاضي يمتلك كل هذه الصفات، تضاف إلى كونه بلغ ما بلغ من الشيخ، فقد كان من المفروض أن تجد ثورته العدائية ضد سيدي عبد القادر بن محمد استجابة عريضة من طرف العموم ظنا منهم أنه أدرى الناس بشيخه. استجابة كانت قد تنسف بالزاوية تماما أو على الأقل تحد من نشاطها إلى حد بعيد.
بيد أن دعايته خلاف ذلك، لم تزد الناس إلا تعلقا بالشيخ وارتباطا بزاويته، وما ذلك إلا لعلو كعب الشيخ وطول باعه وصدق دعوته و قيام زاويته على الأرضية الصلبة الخالصة لله، ما كانت لتتزحزح لمجرد دعاية، وما كان لله دام واتصل.
وفي المعنى جاء في كتاب فجيج في عهد السعديين ص 287 لصاحبه:
الأستاذ بنعلي بوزيان ما يلي:
" ونعتقد أن ما كان يتسم به ابن أبي محلي في هجومه على خصمه، ساهم إلى حد كبير في تمييع عداوتهما، وحول اتهامه إلى نوع من الدعايات الكاذبة والتصريحات الفارغة لكثرة ما رددها، وعبد القادر السماحي ماض بمريديه إلى ما يريد لا يزيده إرغام خصمه إلا صلابة وقوة ونجاحا إلى نجاح."
ولما كانت تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، فيشهد الله أني هنا لا أتحامل على القاضي ابن أبي محلي، ليس ذلك من قصدي، وإنما اجتهد لأنقل قدر المستطاع صورة الظروف التي نشأت بها الطريقة الشيخية. والذي يبدو بعد النظرة المتأنية، أن قصد الرجلين كانا متناقضين:
ـ أما التلميذ فكان يسعى إلى تحقيق طموح سياسي واسع، انتزاع السلطة من الأمير زيدان بالقوة. ولكي يحقق هذا الطموح كان لا بد من استغلال نفوذ الشيخ سيدي عبد القادر محمد الواسع على سكان الناحية. بيد أنه ما إن تفطن له الشيخ وقطع أمامه الطريق بصرامة حتى كان من شأنه ما كان.
ولتأكيد تلك الرغبة الجامحة في الاستيلاء على السلطة، جاء في كتاب فجيج في عهد السعديين لصاحبه الفاضل:
الأستاذ بنعلي بوزيان في ص 287 مايلي:
" وما شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا قناع يخفي وراءه هدفا غير معلن ( يعني به ابن أبي محلي)، ولكن من السهل أن تستدل عليه من تصريحاته تارة، وزلات لسانه تارة أخرى كقوله مثلا..." صحت أنا عليه وحذرت منه الأمة بعد ما عرفته، مع أني لو تركني ولا يتعرض لي في مجالسه لتركته"، فالصراع بينهما إذن لا يمت بصلة إلى مرجعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..وإنما هو صراع على السيادة، هذا ليس بافتراض وإنما هو شيء وجدناه في أحاديثه، يقول,,," وزعمت أنك تقدر على شرح البخاري يا ألكع حتى تبكتنى لتنفرد بالسيادة في وقتك مع وجودي..". هذا نص خطير ـ له في أدبياته أشباه ـ لأنه يؤكد في صراحة واضحة أنه ما جاء إلى المنطقة إلا باحثا عن السيادة والزعامة."
ـ وأما الشيخ على عكس ذلك، كان موقفه في غاية الوضوح :
ـ فمن ناحية كان قصده من تأسيس الزاوية ابتغاء وجه الله ليس غير،
ـ ومن ناحية ثانية، كان موقفه من بيعة الأمير زيدان واضحا من خلال الرسالة التي بعثها له كما سنرى،
ـ ومن ناحية ثالثة كانت تربطه بالأمير زيدان علاقة إرادة، علما أن كلا من السلطان أحمد المنصور الذهبي وابنه الأمير زيدان كانا من مريدي الشيخ سيدي عبد القادر بن محمد حسب ما ورد في كتاب المناقب. والحالة هذه، ما كان له أن يغير أو يبدل في أمر البيعة المتبادلة بينه وبين الأمير زيدان.
والجدير بالملاحظة أن حلم الشيخ وصفحه الجميل فاق بكثير موقف العنف الذي كان على التلميذ أن يتحاشاه. فمهما كان التشهير به شنيعا لم يصدر منه أي رد. وحتى الإشارة التي وردت في الياقوت إنما وردت على سبيل التلميح والتلويح بالأسلوب الأدبي الرفيع أسلوب "ما بال أقوام ".
ولما كان الحق ما شهدت به الأعداء، فإن بعض الدعايات الواردة في كتابات ابن أبي محلى، وإن كان قصده منها خلاف ذلك، إنما جاءت لتؤكد أن نفوذ الشيخ كان بحق واسعا جدا، ليس فحسب على مستوى عامة الناس الذين كان أكثرهم من مريديه وأتباعه ومحبيه، وإنما أيضا على مستوى خاصتهم من فقهاء وأئمة المساجد الذين لم يعيروا كلام خصمه أي اهتمام. كما أن تصريحه بأن الشيخ كان يخصص ثمانية عشر ناقة كاملة لتموين الزاوية، وأنه كان بحوزته عدة بساتين إنما يعتبر دليلا قاطعا على أن الزاوية الشيخية كان لها على وجه التأكيد دورا فعالا في الخدمات الاجتماعية لسكان المنطقة، وإلا ما كانت لتحتاج إلى كل هذا التموين العريض ومصادر العيش الواسعة .
وكم يعجبني أن أختم الفقرة بقولة صاحب الواحة في هذا الصدد ص 79:
" ومهما ساورنا من شك في مصداقية هذه الأحاديث أو قيل خلافها في حق السماحي، فإن الذي لا يمكن نفيه هو الاعتقاد العظيم والاحترام الشديد الذي كانت العامة تكنه للمرابطين والشرفاء، لا في فكيك وحدها، بل في مجموع مناطق المغرب"
مع الإشارة إلى أن السماحي هنا هو نفسه سيدي عبد القادر بن محمد نسبة إلى جده بوسماحة
نائب المشرف العام
 
مشاركات: 55
اشترك في: الجمعة 22 يناير 2010 11:23

Re: الطرسقة الشيخية بين التأسيس والتجديد

مشاركةبواسطة نائب المشرف العام » الثلاثاء 26 يناير 2010 23:37

الحدة التي كانت معروفة آنذاك بين أهالي فيكيك سواء فيما بينهم أو تجاه غيرهم.

ـ أما في ما بينهم فقد ظل الصراع شديدا بين مختلف قصور فكيك التي يرجع معظمها إلى قبيلتي زناتة وصنهاجة وبعضها من آل البيت. وسبب الصراع حرص كل طائفة على الاستيلاء على أكثر ما يمكن من الضيع الأرضية ومنابع الماء لترسيخ النفوذ.
ـ وفي المقابل كانوا يتحدون ويبذلون قصارى الجهود للتصدي لكل وافد تبين أن بإمكانه مزاحمتهم على مصادر القوة والنفوذ. والظاهر أن تفرق أهل فكيك إلى قصور متميزة ومستقلة عن بعضها تضم أعراقا متميزة عن بعضها، وتعصب كل فريق لدائرته الضيقة، كان يحول دون توحيدهم تحت سلطة قضائية أو إدارية واحدة. ومن الأدلة الواضحة على هذا الطرح نذكر ما يلي:
1 ـ حادثة اغتيالهم للفقيه العلامة القاضي سيدي عبد الحق بن محمد السكوني الذي كان إماما وقاضيا على إثر حكم قضائي أصدره على أحدهم حوالي 980هـ
2 ـ ما نقرأه في قصيدة العلامة سيدي إبراهيم بن عبد الجبار في نفس الفترة في وصف الوضع الاجتماعي السائد آنذاك:
تغيرت البلاد واحلولك الليـــل وشب ضرام الشر وانهمر السيـل
وآن الرحيل من بلاد تآمرت بهـا المفسدون واستمر بها الهــــول
فلا فتنة إلا وتنسيـك فتنـــة ولا فتنة إلا ويدخلها الهـــــول
ولا صلح إلا أثره ألف غــدرة ولا قول إلا غيره القول والفعـــل
أتسكن أرضا ليس ينهى سفيــهـ هـا ولا يتقى بها قصاص ولا عقـل
ولا يأمن الأخيار شر شـرارهـا على خطر يبقى بها من له الفضـــل



3 ــ ما نقرأه أيضا للأديب الفقيه بن محمد السكوني من نفس الفترة في وصف الوضع الاجتماعي :
"...وكنت ممن ضغطوه بالظلم والفجور، واستوطؤوه بالغم في الورود و المرور، واستهانوه بالضيم في مهمات الأمور، فأعرضت عنهم أعراض المستهان العديم الناصر، وتغافلت عنهم تغافل المتغيض الباسر..." (11)
وهو نص يفيد بجلاء مدى مكابدته لأهل بلدته واستسلامه في آخر المطاف وإعراضه عنهم بالكلية.
ولا يتنافى هذا مع كون غالبية أهالي فكيك إلى اليوم يتميزون بالتدين ويتحلون بالأخلاق الفاضلة والاستقامة ويحرصون على التمسك بالأصالة.
5) التدهور السياسي وغياب السلطة المركزية الموحدة.
كانت الحقبة التي عاش فيها سيدي عبد القادر بن محمد بفجيج مسرحا لمجموعة من الأحداث السياسية الخطيرة على مختلف الأصعدة نذكر منها:
أ ـ استمرار الحروب الصليبية بالمشرق العربي، حروب أنهكت قوة السلطة المركزية للإمبراطورية الإسلامية وأدت إلى تصدعها و غياب دورها في حماية البيضة.
ب ـ سقوط الأندلس في يد الإسبان كارثة أدت إلى إضعاف موقف الدول الإسلامية بالمغرب العربي وتوسع أطماع المستعمر الذي أصبح يستولي تباعا على الشواطئ المغاربية ويزحف إلى ما وراء ذلك.
ج ـ استمرار الحروب الداخلية بين أبناء المنصور الذهبي السعدي على السلطة بين الكر والفر أدت إلى كسر شوكتهم معا وانفصال مجموعة من المناطق عن قبضة نفوذهم لغياب السلطة الموحدة.
هذا التوتر السياسي المتعدد الجوانب أدى إلى غياب السلطة الواقعية التي تحمي البيضة وتبسط الأمن و توحد الصف وتحرص على تطبيق الدين في دنيا الناس.
خلاصـــــــــة القــــــــــــول:
لقد كانت كل هذه العوامل متجمعة سواء منها الانتشار الواسع للطرق الصوفية المحلية، أو الازدهار العلمي الكبير بفقيق، أو صعوبة مراس أهالي البلدة بشكل عام، أو التوتر السياسي الاجتماعي الحاد، أو انفجار العداء الخطير من الداخل على يد ابن أبي محلي، ...
...كانت جميعها وسواها تتكامل وتتآزر مبدئيا لتحد من مد الزاوية الشيخية وتوسيع دائرة نفوذها وامتدادها على ساكنة المنطقة. بل إن عاملا واحدا منها كان يفي بهذا الغرض بله أن تتضافر جميعها، لو كانت هذه الزاوية تتسم بالسطحية والهشاشة والقابلية للزوال. بيد أن الطريقة المباركة، لما كانت قائمة على أسس صلبة وعلى رأسها قطب رباني عظيم، ما فتئت تتحدى تلك العقبات جميعها وسواها، عقبات لم تزدها إلا ثباتا في سيرها ورسوخها في قصدها ووضوحها في نهجها، كما لم تزد الناس إلا يقينا من أمرها وتعلقا بها، وما كل ذلك إلا برهان أكيد على كونها خالصة لوجه الله تعالى، وما كان لله دام واتصل.
وفي هذا الصدد يقول الأستاذ الفاضل عبد الله طواهرية في تقديمه لتفسير قصيدة الشيخ المسماة بالياقوتة في الصفحتين 8/9 ما يلي:
" كان رحمه الله كثير الترحال بزاويته التي لا ينقطع قاصدوها أينما حلت. وشملت رحلاته حسبما ورد في المناقب من الجهات الأربع من فقيق إلى نواحي وهران وتلمسان.
وناصبه العداء بعض متفقهة عصره، خاصة ابن أبي محلي رحمه الله الذي رماه بالعظائم وانتهك من حرمته ما لا يجوز وركب في ذلك الصعب والذلول، إلى أن قتل على أبواب مراكش أثناء محاولته الاستيلاء عليها سنة 1022ه/1613م ولعل ذلك من بين الأسباب التي حدت بصاحب الترجمة إلى إنشاء قصيدته للرد على منتقديه (الأبيات 93 إلى 99) دون ذكر اسم أو قدح في عرض وذلك أدل دليل على علو همته وتنزهه عن سفاسف الأمور." أما عن جهاده فيقول:
" جهاده:كما جاهد رحمه الله بقلمه ولسانه جاهد بسيفه، وهذا الجانب من حياته في حاجة ماسة لدراسة متأنية. وما يتاح اليوم من المصادر (خاصة المناقب) لا يخلو من إشارة في غير ما موضع لهذا الجانب المشرق من حياته.
ومعلوم أن الفترة التي عاش فيها الناظم رحمه الله ( 1533م/1616م) كانت فترة احتلال الجيوش الإسبانية لشواطئ ومدن المغرب العربي عامة والجزائر خاصة (1492م/1792م).
وقد وردت الإشارة في المناقب إلى مقاتلته الإسبان بوهران، ويستشف من المصادر المتاحة أنه كان على علاقة وطيدة بالمقاومة في تونس أيضا. فهو يحث على الجهاد مرة ومرة بالاشتراك فعليا في القتال بوهران وغيرها."
ولتوضيح دائرة اتساع الطريقة الشيخية في حياة سيدي عبد القادر بن محمد نفسه، نلتقط بعض المعلومات المتعلقة بتوزيع خواص مقدمي الشيخ سيدي عبد القادر بن محمد. ويسمى هذا الجمع من المقاديم جلساء الشيخ، إي ذوي الخصوصية لديه، أو مجلس الشورى لديه بلغة العصر. والملاحظ أنهم ينتمون لمختلف الجهات، موزعين كما يلي:
ـ 1: من تلمسان، ـ المقدم القندوس بن عبد الله
ـ 2: من بلاد كبدانة، ـ المقدم العربي بن أحمد
ـ 3: من فجيج: ـ المقدم عيسى بن بوطراد الحمام الفوقي
ـ المقدم لحسن الفجيجي السكوني
ـ المقدم سليمان بن بوغرارة الحمام السفلي
ـ 4: من جورارة: ـ المقدم علي بن أحمد بن بودي
ـ 5: من إيش: ـ المقدم بوشتة
ـ 5: من فاس: ـ المقدم ابراهيم بن بوبكر
ـ 6: من مراكش: ـ المقدم الحاج بن علي من ذرية الحاج المراكشي
ـ 7: من بلاد أدرار: ـ المقدم التونسي
ـ 8: من بني يزناسن: ـ المقدم مصطفى
ـ أخوه المقدم عدو
ـ 9: من بلاد دبدو: ـ المقدم الشريف بن موسى
ـ 10:" من بلاد توات: ـ المقدم يوسف من اولاد محمود
ـ 11: من بلاد الجزائر: ـ المقدم قدور بن بوبكر
ـ 12: من بلاد معسكر: ـ المقدم هدو بن بوترعة
ـ 13: من جبل العمور: ـ المقدم علال بن بوبكر
ـ أخوه الفقيه النبيه محمد بن بوبكر
ـ 14: من بني عامر: ـ المقدم بوجمعة
ـ أخوه المقدم جلول
هؤلاء المقاديم على الرغم من اختلاف بلدانهم وبعد المسافات بينها، إلا أنهم كانوا يمثلون خواص الشيخ، أو جلساؤه كما يسمون في المخطوط. وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على اتساع دائرة فقراء الشيخ سيدي عبد القادر بن محمد في بلاد المغرب العربي، وذيوع صيته بين سكان كل تلك المناطق، وانشار طريقه بين تلك البقاع، على الرغم من الأسباب السالفة الذكر التي كان من شأنها أن تعيق ذلك الانتشار.
نائب المشرف العام
 
مشاركات: 55
اشترك في: الجمعة 22 يناير 2010 11:23

Re: الطرسقة الشيخية بين التأسيس والتجديد

مشاركةبواسطة نائب المشرف العام » الثلاثاء 26 يناير 2010 23:40

- تعريف الطريقة الشيخية الشاذلية:
الطريقة الشيخية هي فرع من فروع الشاذلية أنشأها الولي الصالح والقطب الرباني المتوفى سنة (1025)هـ موافق
(1616)م المشهور سيدي عبد القادر بن محمد (سيد الشيخ) بن سليمان بن أبي سماحة بن أبي ليلى بن عيسى بن يحيى بن معمر بن سليمان (الملقب بالعالية) بن سعيد بن عقيل بن حفص (حرمة الله) بن عساكر بن زيد بن حميد بن عيسى بن التادلي بن محمد (الشبلي) بن عيسى بن زيد بن يزيد بن طفيل ( الزغاوي) بن صفوان بن محمد بن عبد الرحمن بن سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، هذا هو نسب (سيد الشيخ عبد القادر بن محمد) - الذي يرتقي كما نرى إلى صاحب وخليفة رسول الله صل الله عليه وسلم (سيدنا أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي) حيث يلتقي بنسب رسول الله صل الله عليه وسلم، أبو بكر المعني بقوله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ - (أنظر شجرة النسب بالملحق)، أما والد سيدي عبد القادر فهو محمد (دفين الشلالات الظهرانية قرب العين الصفراء بالجزائر) بن الولي الصالح العلامة المحدث الفقيه سيدي سليمان بن أبي سماحة دفين بني ونيف . توفي سنة (946هـ/1540م) درس بالأندلس، ولقي مجموعة من علماء عصره من شيوخ غرناطة ومالقا، ثم انتقل إلى القرويين بفاس فبقي بها مدة تزيد عن (6) سنوات ليعود إلى فجيج بالجامع القديم انتقل إلى فجيج ليدرس علوم الشريعة بالجامع القديم ويخطب على منبره لعدة سنين وتوطن جهات عديدة وأخذ الطريقة عن العارف بالله أبي العباس سيدي أحمد بن يوسف الملياني الراشدي . وحفيده سيدي عبد القادر بن محمد مؤسس الطريقة الشيخية هو الآخر أخذ عن شيخه السي محمد بن عبد الرحمن السهلي تلميذ سيدي أحمد الملياني الراشدي. إذن سيدي عبدالقادر بن محمد أسس الطريقة الشيخية من الشاذلية،
فبالراشد اهتدى عن الرزق اقتدى عن الحضرمي ثم شيخ القرافة عن ابن عطاء الله بحر علومنا عن المرتضى المرسي أحمد حلة معاريف منه للورى وما واهب فحاز بها مجد العلا والجلالة إلى الشاذلي السامي أبا الحسن الذي يجوز الكمال أضحى مجرى الحقيقة عن ابن مشيش قرب دائرة العلا عبيد السلام ذي العلوم الرفيعة (والشاذلية نسبة إلى أبي الحسن علي بن عبد الله الشاذلي بن عبد الجبار الذي ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، والشاذلية نسبة إلى بلدة شاذلة بتونس، وهنا لابد من الإشارة إلى الحركة الصوفية بالمغرب العربي وكيف زرعت هذه البذرة الطيبة المباركة وصلتها بالمشرق العربي وأول هذه الصلات تلك المتمثلة في الانتساب إلى نفس المدرسة الصوفية. فللحركة الصوفية بالمغرب الإسلامي جذور نرجع على الأقل إلى القرن الرابع الهجري حيث يرجع تأثير مدرسة أبي القاسم الجنيد على يد وجاج اللمطي دفين أكلو قرب تزنين بالمغرب بواسطة تلميذه عبد الله بن ياسين المؤسس الروحي للمرابطين ثم نجد آثار الحركة التصوفية الشرقية في حركة الموحدين حيث يشكل رباط تنمل مركز الحركة الصوفية بالمغرب زمنها ثم استقرار مولاي بو شعيب برباط تينمل (أزمور) وهو تلميذ أبي مدين الغوث الذي تتلمذ بدوره على يد سيدي عبد القادر الجيلاني، في نفس الفترة كان الشيخ علي بن حرزهم ينشر في فاس مبادئ العلامة الكبير والمتصوف أبي حامد الغزالي ومن هنا يمكن القول أن حركة التصوف بالمغرب كانت امتداد لحركة التصوف بالمشرق. (إلا أن القرن السابع الهجري سيعطي لحركة التصوف بالمغرب دفعة وحركية جديدة مملوءة بالعمل والجهد الكبير الذي بذله شيوخها بالمغرب خاصة عندما وحد أبو الحسن الشاذلي بين مبادئ شيخه عبد السلام بن مشيش ومحمد بن حرزهم ليخرج بطريقة جديدة عرفت باسم الطريقة الشاذلية وقد صيغت واكتمل نباتها غالبا في مصر، خاصة زيارت أبي الحسن الشاذلي المتوالية للمشرق خاصة مصر، ثم انتقلت إلى المغرب بطريقتين:
الأولى: من أبي العباس المرسي عبر عدد من المتصوفة إلى إبراهيم حجام
الثانية: من أبي عبد الله المغربي عبر عدد من المتصوفة إلى محمد بن سليمان الجزولي . لكن الفضل الكبير يعود إلى أبي الحسن الشاذلي الذي كان له بالغ الأثر في حركة الصوفية بالمغرب الإسلامي وانتشار الطريقة الشاذلية في هذه البقاع الطيبة، أتى عبر تتابع تلامذته وانتشار الزوايا المتفرعة عن الشاذلية الأصل ومنها الطريقة الشيخية.
فمؤسس الشيخية هو عبد القادر بن محمد – تعلم القرآن والفقه ومبادئ العربية على يد عدة فقهاء بفجيج عندما شب وترعرع تأثر بالصوفية وعلومها بحيث تتلمذ على يد شيخه سيدي محمد بن عبد الرحمن السهلي فأخذ عنه علم السلوك إلى الله. قال الأستاذ عبد الله الطواهرية ناظما ذلك:
فصل وشيخه محمد الأبر لعابد الرحمن ينتمي في الأثر من بالسهول ألف الإقامة
كساه مولاه حلل الإستقامة وقوله وطرقه للشاذلي سلسلة شيخه أتت لها كتكملة
ويقول سيد الشيخ (عبد القادر بن محمد) في قصيدته الياقوتة أحد مخلفاته الطيبة المباركة في المجال الإحساني التربوي معرفا وواصفا لشيخه:
فشيخ الشيوخ ذاك شيخ زماننا إليه انتهت فنون هذي الطريقة فمن شيخنا عن شيخه عن شيوخه تسلسلت الأشياخ أهل العناية فأولهم في الذكر شمس وجودنا
وقطب نهى علومنا اللدنية إليه انتهت رئاسة القوم فارتقى على صهوات المجد من غير مرية أبو عابد عن إله يسمى محمد
إلى عابد الرحمن يعزى بنسبة فعنه أخذنا أعني عن قمر الدجى ورثنا طريق القوم دون استرابة إذن الشيخية نسبة لسيدي عبد القادر بن محمد (سيد الشيخ) أصبح يلقب باسم الشيخ انطلاقا من حادثة المرأة التي سقط ابنها في البئر، حيث تقول الروايات أن المرأة كانت بجانب بئر فسقط ابنها من على ظهرها في اتجاه قعر البئر، فاستغاثت قائلة: (يا قادر يا عبد القادر يا أهل النوبة) فحضر كل من عبد القادر الجيلاني وعبد القادر بن محمد فاحتار الأول لحضور الثاني، ثم قال له: (افرق إسمك من إسمي يا شيخ، فأجابه: من فم سيدي سمعتها أنا الشيخ فأنقذا معا الصبي من السقوط في قاع البئر ومنذ ذلك الحين أصبح عبد القادر بن محمد يلقب بسيد الشيخ وقد حقق هذه الكرامة عبد الله الطواهرية في تحقيق لمناقب عبد القادر بن محمد، وكذا سجلها الشاعر الشعبي محمد بلخير قال الأول ناظما لها: وقد روى السكـوني في المناقب بقدر وسعــه كشهـب ثاقـب
منها إنجـاده ببئر درعــة وحيــد أم غوثت بسرعــة ويقول الثاني محمد بلخير: المراة لي طاح وليدها في البير عيطت عنــك وعلى البغـدادي عيطت لأهل النوبة بلا تأخير يا أهل الغيثة كونوا مع ولدي ما يكون أقطاب الصالحين يشير شيخ وقطب في لي فات والبادي إذن من هنا أصبح سيدي عبد القادر بن محمد يسمى (سيد الشيخ) وأنشأ الطريقة الشيخية، بحيث أصبحت لها عدة فروع في ما بعد في عدة مناطق من الجزائر والمغرب وتزامن عبد القادر بن محمد مع الحكم السعدي بالمغرب خاصة فترة الأمير زيدان بن احمد المنصور الذهبي، حيث راسل هذا الأمير سيد الشيخ عبد القادر بن محمد يستفتيه في بعض الأمور الدينية الإحسانية السلوكية فرد عليه سيد الشيخ في رسالة موضحا فيها أهم الأمور المستفتى عنها، وقد ترك سيد الشيخ ثمانية عشرة ولدا كلهم من الصلحاء، أحد عشرة منهم أنجبوا وتكاثروا حتى صاروا قبيلة كبيرة تسمى أولاد سيد الشيخ كلهم.


المصدر
كتاب الطريقة الشيخية بين التأسيس والتجديد للأستاذ الدكتور السيد أحمد بن عثمان

نائب المشرف العام
 
مشاركات: 55
اشترك في: الجمعة 22 يناير 2010 11:23


العودة إلى الطريقة الشيخية

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار