بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحابته أجمعين والتابعين وتابعي التابعين وجميع من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فإن الحديث عن الطريقة الشيخية الشاذلية يقتضي منا بعد المقدمة، الحديث في القسم الأول عن محاور أساسية أربعة، مفهوم الطريقة ومعنى الشيخية ومعنى البوعمامية ومضمون هذه الطريقة، ثم نتناول مجريات الموسم الأول للمولي الصالح سيدي عبد القادر بن محمد لسنة 2005 في القسم الثاني. نتناول هذين القسمين على النحو التالي:
القسم الأول الطريقة الشيخيـــــة:
مقدمــــة
بدأ الأمل يعود اليوم للأمة الإسلامية لتعود للواجهة بدبيب شعاع الحياة الروحية في أوشاجها بعد ما كان معطلا عن غفلة أو مغيبا عن قصد. بدأ الدبيب ببداية عودتها إلى الأصالة، إلى التراث، إلى الحياة الروحية. وبهذه العودة للأصالة والالتفاتة إلى التراث والإحياء للجانب الروحي ستعود لها الاستقامة الجماعية، وترتفع الهمة، وتتم الانطلاقة الصحيحة القائمة على التوازن والتكامل والاعتدال، وتلك أهم سمات الخيرية في الأمة الشاهدة على الناس. وتتجلى هذه العودة المباركة ببداية الاهتمام بالبحث في حياة رجال الإصلاح عبر تاريخ الأمة الطويل للاقتداء بهم والسير على خطاهم، أولئك الذين كانوا منارات للهدى ومثلا عليا في تطبيق الدين على أحسن الوجوه في دنيا الناس.
لقد تخلخل التصور الإسلامي حينما بدأ المسلمون يفصلون إلى حد العداء والقطيعة بين ما هو شريعة وما هو طريقة وما هو حقيقة، في حين أن الدين وحدة متكاملة شاملة لهذه المعاني الثلاث، في الاعتقاد والتصور والسلوك والممارسة. فما هو شريعة ينبغي أن يكون في نفس الوقت طريقة وحقيقة بلا خلاف. ولقد كانت هذه الوحدة أساس خيرية وعظمة وازدهار الأمة، مثلما كانت أساس بروز شخصيات إسلامية خالدة لا زالت منارات للهدى والصلاح والتربية والسلوك.
إن الإسلام دين توحيد لا دين تعديد، توحيد في العقيدة وتوحيد في التصور وتوحيد في العبادات وتوحيد في الصفوف، وبالتالي توحيد في المصالح والمقاصد والأهداف. فإذا كان على صعيد العقيدة مثلا يجب الاعتقاد بوحدة الذات والصفات والأفعال، أي أن نفس الاسم من أسمائه الحسنى يدل على أفعال الله التي يقتضيها هذا الاسم، كما يدل بالتضمن والالتزام على ذات الله وصفاته دفعة واحدة، فعلى صعيد التصور ينبغي أن يتعلق نفس الفعل من أفعال العبادة بالشريعة والطريقة والحقيقة في ذات الوقت. فالصلاة مثلا هي في نفس الوقت شريعة بمقتضى وجوبها، وطريقة بمقتضى أهمية التخلق بأخلاقها والتمسك بروحها لتجنب الرذائل والتحلي بالفضائل، وفي نفس الوقت حقيقة تزج بالإنسان في الحضرة الإلهية ليذوق بها حقيقة العبودية، وهكذا ...( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.) ((1))
الفصل الأول:مدخل عام حول التصوف:
أولا: تمهيـــــــــــــــــــد:
يتفق الباحثون المنصفون على أن التصوف هو الدرجة الإحسانية من الإسلام، مما يعني أنه لب الإسلام وجوهره. ويجدر بنا أن نلقي نظرة على الحقبة التاريخية لفترة الرسالة والخلافة الراشدة للتنقيب عن الكيفية التي تبلور بها التصوف بشكل مستقل عن باقي العلوم الشرعية الأخرى. ففي تلك الفترة لم يكن التصوف معروفا على الشكل الحالي ولا محدود المعالم على انفراد عن بقية شعب العلوم الدينية الأخرى. والسبب بسيط، هو أن تلك الفترة الزاهرة كانت تمثل أوج الأمة وقمة الفهم للدين على الإطلاق، فهما واعتقادا وسلوكا وتطبيقا في الواقع المعيش. بل إنها الفترة المثالية الزاهرة التي ستظل الأمة تستمد منها وجودها وبقاءها في جميع المجالات وعلى مختلف الأصعدة والظروف والعصور والأمصار. لقد كان الدين وحدة متكاملة متراصة بجميع شعبه في تفكير وقلب ووجدان المسلم، كما أن القدوة والقيادة كانتا مجتمعتين في نفس الشخص. بمعنى أن الزعامة كانت ربانية كاملة، أي في نفس الوقت دينية وسياسية. وكان هذا المعنى السامي في التعامل مع الإسلام اعتقادا وسلوكا وعملا يحمل اسم الصحبة. وهو شرف ما بعده شرف، ومكانة ما فوقها مكانة، حتى قال فيهم الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: " إنما أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم .((2)) ذلك أن الصحابي كان في نفس الوقت فقيها ومفكرا وسياسيا وصوفيا وجنديا وعاملا، أي كان عنصرا وسطا متكاملا في الأمة الوسط بالمفهوم الجامع للوسطية التي تجعلها شاهدة على الناس جميعا. وبالتالي لم يكونوا في حاجة بعد إلى إطلاق اسم السلوك أوالتصوف في معزل عن باقي مكونات الدين الأخرى، لأنهم لم يكونوا بعد في حاجة إلى هذا التمييز الذي دعت له الحاجة في ما بعد تخلخل مفهوم الدين في مجال الممارسة والتطبيق بعد ما أصاب الأمة ما أصاب من ضعف وهوان.
ومن جهة أخرى، فإن مختلف العلوم الشرعية في تلك الفترة الزاهرة كانت بالغة القمة شكلا ومضمونا:
ـ أما من حيث الشكل فلأن المخاطبين آنذاك كانوا في قمة البراعة في اللسان العربي، والخطاب الشرعي بجناحيه، القرآن والسنة، جاء في غاية البلاغة خاليا من أي فلسفة أو تعقيد، "بلسان عربي مبين((3))وهكذا استطاع المخاطبون أن يفهموه بغاية الدقة والوضوح، وبغاية السهولة والبساطة.
ـ أما من حيث المضمون، فلأن النصوص الشرعية إنما جاءت لتعالج بالدرجة الأولى الواقع الذي كان قائما آنذاك، واقع الجزيرة العربية في عصر الوحي بالذات، لتجعل منه مصدر مدد وإشعاع لإصلاح العصور اللاحقة من مختلف الأجناس والأمصار. ولما كان ذلك الواقع خلوا من الفلسفة والتعقيد، جاءت النصوص في غاية الدقة والوضوح.
أما من حيث استيعاب نصوص الشريعة لجميع الوقائع والمستجدات اللاحقة بحكم خصائصها من ديمومة وواقعية وشمول، فإنما جاءت في معظم الأحيان بخطوط عريضة ثابتة، تاركة جوانب التفاصيل والجزئيات، بحكم مرونتها، للاجتهاد كي تسع مختلف ألوان الوقائع المستجدة، التي لم يكن من المفيد أن تطرح بصريح العبارة آنذاك تفاديا للفتنة. وبما أن الحياة كانت سريعة التغير والتعقيد بالنظر إلى سرعة تمدد رقعة الإسلام بفضل الفتوحات المتوالية، فقد تعددت المستجدات وتلونت بسبب تعدد العقائد والفلسفات الوافدة من جهة، وبسبب الاضطرابات التي نشبت مباشرة بعد نهاية الخلافة الراشدة والتي أدت إلى ابتعاد الأمة نسبيا على معين الوحي من جهة ثانية. والحالة هذه، فقد بدأ التصور الإسلامي نسبيا في التصدع انطلاقا من الفتنة الكبرى التي أصابت ذا النورين الخليفة الراشد سيدنا عثمان بن عفان، فتنة لا زالت سلبياتها تلقي بظلالها على حياة المسلمين إلى وقتنا الحاضر.
هكذا تكون المناخ الملائم لتصدع التصور الإسلامي بإعلان انفصام مختلف الشعب الإسلامية عن وحدة التصور، حيث أصبح كل من علم الفقه وعلم الحديث وعلم الكلام والفلسفة ثم التصوف وغيرهم من العلوم في ما بعد، في استقلال شبه تام عن باقي العلوم الأخرى . بل قد أدى هذا الخلل في التصور إلى بروز ظاهرة التكفير مثلما وقع لعدد من أقطاب التصوف كالحلاج والحاتمي وابن سيرين وغيرهم. وأحيانا أخرى أدى إلى الصراع الدموي كما كان الشأن مع الخوارج، وكما وقع لأكثر من أعلام الأمة الكرام مع متفيقهة وأمراء عصورهم شأن الإمام أحمد بن حنبل وغيره.
المصدر
كتاب الطريقة الشيخية السند والأذكار تأليف الأستاذ أحمد بن عثمان حاكمي